صدر عن برنامج كارنيغي للشرق الأوسط هذا التقرير الذي وضعه باحثون في مؤسسة كارنيغي. وهو أحد تقارير مشروع آفاق العالم العربي الذي يُنفّذ على سنوات عدة بعد إطلاقه في تشرين الأول/أوكتوبر 2015، والذي يهدف إلى إلقاء أضواء ساطعة على الأحداث المضطربة التي مر ويمر بها العالم العربي.
ولأهمية الموضوع يقوم المنبر بنشر بعض أقسام التقرير على عدة أجزاء، وفي هذا الجزء سنتناول “المشهد الإنساني” الكارثي
الجزء الثاني
المشهد الإنساني
كان لانهيار النظام الإقليمي وتآكل العقود الاجتماعية في كثير من البلدان العربية تداعيات مهمة في ما يتعلق بعلاقة المواطنين العرب بحكوماتهم وعلاقاتهم مع بعضهم البعض. ومع أن المجتمعات في جميع أنحاء المعمورة منشغلة بالتكيّف مع التحوّلات التكنولوجية والثقافية، فإن هذه الضغوط الاجتماعية تطرح مزيجاً قابلاً للاحتراق بصورة خاصة في الشرق الأوسط في ظل التحديات السياسية والاقتصادية التي تواجهها المنطقة، وانتشار الصراع، والنزاعات الطائفية والراديكالية. فالتحوّلات الاجتماعية المركبة تحدث في أربعة ميادين متداخلة هي: الجانب الديمغرافي والتنمية الإنسانية، والهجرة، والاستقطاب، والحراك الاجتماعي.
الجانب الديمغرافي والتنمية الإنسانية
يعتمد الاستقرار والازدهار في البلدان العربية في المستقبل على تسارع معدلات التنمية الإنسانية، لأن التعويل على الموارد الهيدروكربونية لم يعد أمراً يُركن إليه بسبب التكاثر السكاني من جهة، والتغيرات في أسواق الطاقة العالمية من جهة أخرى. وفي حين حققت البلدان العربية بعض التقدّم في مجال معرفة القراءة والكتابة والتعليم العالي بالنسبة إلى النساء، فإن ثمة تخلّفاً في جوانب أخرى من التنمية الإنسانية تعيق النقلة المطلوبة من النمو الذي يسيّره القطاع العام إلى نمو يوجّهه القطاع الخاص. وتتعلق إحدى العقبات الرئيسية بالمدركات والمواقف.
فمع تزايد البطالة والتململ في أوساط الشباب، مالت بعض الحكومات إلى التعامل مع الجيل الجديد من المواطنين بوصفهم تهديداً أمنياً لا ركناً ركيناً من أركان الاقتصاد، فعرقلت بذلك أنشطتهم في المجال العام. وهذه المواقف، في التحليل الأخير، هي التي تحرم المنطقة من ربحية ومنفعة مُضْمرة تتمثّل في النمو الاقتصادي المتسارع نتيجةً لتوسّع القطاع السكاني القادر على العمل، وهذا ماشجّع وعزّز في الماضي اقتصادات شرق آسيا ومناطق أخرى.
في العام 2002، أحدث التقرير الأول من سلسلة تقارير “التنمية الإنسانية العربية” هزة مؤثرة في المنطقة. وقد تضمنت هذه التقارير، التي أعدّتها مجموعة من الدارسين والباحثين العرب المستقلين المرموقين، تحقيقات صريحة ومؤلمة عن أوضاع التنمية البشرية في البلدان العربية.
وخلُص تقرير العام 2002 إلى أن العالم العربي يعاني العجز والقصور في ميادين الحريات السياسية، والتعليم، وتمكين المرأة. وبعد مايقرب من خمس عشرة سنة، لازالت هذه التحديات ماثلة للعيان وانضمّت إليها تحديات جديدة.
تعرِّف تقارير التنمية الإنسانية الحرية بأنها “الحوكمة التشاركية“. وبحسب تقديرات منظمة “بيت الحرية“، لم تنضم إلى قائمة الدول “الحرّة” منذ العام 2002 حتى الآن غير دولة عربية واحدة هي تونس. وهناك دولتان أخريان، هما لبنان والمغرب، تُعتبر كل منهما “حرّة جزئياً“؛ أما بقية البلدان فقد صُنّفت باعتبارها “غير حرّة“.
خلال العقود الأخيرة، حققت البلدان العربية نجاحاً في مجالات الالتحاق بالمدارس ومعرفة القراءة والكتابة، غير أن نوعية التعليم – أي توفير المهارات المطلوبة لأغراض الاستخدام، والتدرّب التكنولوجي والبحث الأكاديمي والعلمي– لازالت تمثّل تحدياً رئيسياً.
ويبرز التفاوت في هذه الناحية بين البلدان العربية الأكثر ثراء وتلك الأكثر فقراً. وقد جاء في مؤشر التنافسية العالمية 2014-2015 الصادر عن “المنتدى الاقتصادي العالمي” أن الإمارات العربية المتحدة تحتل المرتبة 12 بين 144 دولة شملها المسح حول نوعية التعليم في الدراسات العليا، بينما كانت مرتبة مصر، وليبيا، واليمن، 119، و126، و142 على التوالي.
بالنسبة إلى تمكين النساء، شهدنا تقدّماً في مجال معرفة القراءة والكتابة والالتحاق بالمدارس والجامعات في صفوف الإناث منذ العام 2002. وارتفع معدّل معرفة القراءة والكتابة في صفوف النساء البالغات في العالم العربي من نحو 41 في المئة في العام 1990 إلى 69 في المئة العام 2010.
وفي أغلب البلدان العربية، تتفوّق الإناث على الذكور عددياً في مجال الالتحاق بالجامعات. ومع ذلك، لازالت مشاركة النساء في القوى العاملة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الأدنى بين جميع بقاع العالم، إذ لا تتجاوز نسبة 22 في المئة، مقارنةً مع المعدل العالمي الذي يبلغ 50 في المئة.
وبالمثل، تُعدّ المشاركة السياسية في البلدان العربية أدنى من معظم مناطق العالم، وفقاً لبيانات الأمم المتحدة التي تبيّن نسب النساء الوزيرات والبرلمانيات في العالم.
يُضاف إلى ذلك أن تحديات التنمية الإنسانية، ولاسيما البطالة، ازدادت حدّة مع التكاثر السكاني. ويحتل معدل التزايد السكاني في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا المرتبة الثانية عالمياً بعد منطقة جنوب الصحراء الأفريقية. ومع أن معدل الخصوبة قد انخفض بين العامين 1990 و2014 من 5.2 طفلاً إلى 3.4 لكل امرأة، فإنه ما زال أدنى بكثير من نسبة الاستبدال، وهي 2.1. بل إن المعدل في بلدان عدة، أبرزها العراق، وفلسطين، والسودان، واليمن، يزيد على أربعة أطفال لكل أنثى.
أما مصر، وهي الأكثر اكتظاظاً بالسكان في المنطقة، فقد شهدت تزايداً سريعاً في حجم سكانها الذين ارتفع عددهم من 68 مليوناً العام 2000 إلى 92 مليوناً العام 2015، بينما ارتفعت معدلات الخصوبة (التي تناقصت إلى حدٍّ كبير خلال العقود الأخيرة) مرة أخرى بين العامين 2007 و2014 لتبلغ 3.3 أطفال للمرأة.
ونتيجةً لمعدلات الخصوبة المرتفعة تاريخياً، شهدت الدول العربية طفرة شبابية، أي قطاعاً من الشباب البالغين أكبر مما شهدته الفئات العمرية الأخرى. ويبيّن الشّكل (1) أدناه، الذي يوضح التوزيع حسب الجنس والعمر في الدول الاثنين والعشرين الأعضاء في جامعة الدول العربية، طفرة شبابية تقليدية، مقارنةً مع الشكل (2) الذي يظهر المعدّل المتقلّص للفئة الشبابية في الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.
يعني توزيع المراهقين والشباب البالغين في سن الخامسة عشرة والخامسة والثلاثين في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أن أعداد من يطالبون بفرص العمل وبمستويات أعلى من التحصيل العلمي أو التدريب المهني العالي ستكون عالية بصورة غير عادية. وقد ارتبطت الطفرات الشبابية تاريخياً بالصراعات الأهلية، ما يضاعف حاجة الدول التي تبرز فيها الطفرات الشبابية إلى تحقيق نمو اقتصادي سريع لمواكبة تزايد أعداد الشباب في سن العمل. وعندما تخيب تطلّعات هؤلاء الشباب، تنحو البلدان إلى حالة من عدم الاستقرار. وفي العالم العربي، الذي لازال يعاني من أعلى معدلات البطالة في العالم، ترتفع مستويات الإحباط.
وتبرز هنا كذلك نتائج الفجوة بين الأجيال في المجالات الاجتماعية والسياسية: فبينما تنتشر فئة الأعمار الوسيطة دون الحادية والعشرين في بلدان عربية عدة، يتركّز النفوذ السياسي والاقتصادي بصورة محكمة في صفوف الجيل الأكبر سناً.
تبتعد بعض البلدان العربية، مثل تونس، تدريجياً عن الطفرة الشبابية مع انخفاض معدلات الخصوبة. غير أن السكان في البلدان العربية الأخرى لازالوا يتكاثرون بمعدلات سريعة، كما يُتوقّع أن تشهد بعض الدول الأكثر اكتظاظاً بالسكان، مثل مصر، طفرة شبابية أضخم خلال السنوات العشر أو الخمس عشرة المقبلة.
إن هذه الضغوط السكانية تزيد من الحاجة الملحّة في البلدان العربية لمعالجة الفجوات في التنمية البشرية، ولتفكيك شبكات المحسوبية. وتساوي قوة عمل مدربّة مع تنمية قطاع خاص يؤمّن فرص العمل. وتبيّن التجربة في سياقات أخرى أن تلك الطفرات الشبابية قد تتحوّل إلى مزايا تنموية عند توخي السياسات الاستثمارية والخيارات السياسية السليمة، ولاسيما في مجالات التعليم. وإذا لم تتحقق النقلة في البلدان العربية إلى مرتبة أعلى في تصنيفات التنمية البشرية، قد تستمر الاتجاهات الديمغرافية بوصفها إحدى أسباب المشكلات، بدلاً من أن تفضي في سنوات مقبلة إلى الازدهار.
الهجرة البشرية
تعاظمت تحديات الديمغرافيا والتنمية البشرية جرّاء تحركات السكان الهائلة التي أشعلتها النزاعات في جميع أرجاء المنطقة في مرحلة ما بعد العام 2011. وقد شهدت بعض البلدان، ولاسيما العراق وسورية نزوح أعداد ضخمة من المواطنين، هرباً من جحيم الصراع إلى دول مجاورة أو بقاع أخرى في مختلف أرجاء أوروبا.
وكان من نتائج ذلك، أن عانت هذه البلدان من انخفاض حاد في جوانب من التنمية البشرية ومن تراجع مثير في أعداد وتخصصات من بقي من العاملين، مثل المستخدمين في مجالي الطب والهندسة. وهناك بلدان أخرى، مثل لبنان والأردن، التي استقبلت موجات متدفقة من اللاجئين، تعاني ضغوطاً قاسية بسبب ما تقدّمه من خدمات مثل التعليم، والضمان الاجتماعي والأجهزة الأمنية. يُضاف إلى ذلك أن الأنظمة السياسية القائمة على سياسات الهوية غدت أكثر تعقيداً بسبب التغيّرات السريعة في النسيج الاجتماعي في تلك البلدان.
من الصعب أن نبالغ في تقدير حجم الكارثة. ففي العام 2015، أشارت التقديرات إلى أن نحو 143 مليون عربي يعيشون في بلدان تعاني ويلات الحرب أو الاحتلال،18 كما أن نحو17 مليوناً طُردوا قسراً من منازلهم ، وبينما يشكّل العرب 5 في المئة فقط من سكان العالم، إلا أنهم يشكّلون أكثر من 50 في المئة من لاجئيه.
ومع وجود أكثر من 4.8 ملايين شخص أرغموا على الهرب من بلادهم ونحو 6.6 ملايين أرغموا على النزوح الداخلي، فإن واحداً من بين كل خمسة لاجئين عالميين يكون سوريّا. كما أن العراق، الذي عانى من موجات من النزوح تعود إلى ثمانينيات القرن العشرين، شهد كذلك حركات نزوح داخلية ملموسة نتيجة لاستمرار النزاع، حيث فرّ مايزيد عن 3.3 ملايين نسمة من الأراضي التي يسيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية. ويواجه سكان ليبيا والسودان واليمن التهجير القسري كذلك. علاوةً على ذلك، استضاف العالم العربي أعداداً كبيرة من اللاجئين الفلسطينيين، وهم جالية اللاجئين الأقدم والأضخم في العالم ويبلغ عددهم نحو 5 ملايين نسمة، منذ الحربين العربية الإسرائيلية في العام 1948 والعام 1967.
كانت الصراعات في المنطقة، ومانجم عنها من تحركات سكانية واسعة النطاق، قد أفضت إلى تغييرات اجتماعية كبيرة، وإلى خطر سقوط السكان اللاجئين في مصيدة دوائر الفقر المتوارثة من جيل إلى جيل. فالسكان الذين هربوا من العنف قد التحقوا بالمحاربين، أو أنهم أصبحوا لاجئين، ومنهم من يتمتع بالوضع الأفضل للمساهمة في عملية الإعمار بعد الحرب، ويمثّلون، أساساً، الشباب والطبقة الوسطى. وتشير دراسة حديثة، على سبيل المثال، إلى أن 86 في المئة ممن هربوا من سورية إلى اليونان بين نيسان/أبريل وأيلول/سبتمبر 2015، يحملون شهادات الدراسة الثانوية أو التعليم الجامعي ، يضاف إلى ذلك أن أكثر من 2.8 مليون طفل سوري لا يرتادون المدارس وقد يؤدي ذلك إلى نتائج وخيمة على المدى الطويل.
قُدّرت نسبة الفقر الكلية في سورية العام 2014 بنسبة 83 في المئة، بمن فيهم نسبة 35 يعيشون دون خط الفقر المدقع، ولايستطيعون تلبية الاحتياجات الأساسية لأسرهم، وفي أماكن أخرى، يعيش نحو 11 مليون شخص في اليمن في ظل ظروف في غاية القسوة من الناحية الغذائية. وفي العراق وليبيا، تقدّر الأمم المتحدة عدد الأشخاص الذين يحتاجون إلى شكل من أشكال المعونة الغذائية بنحو 2.4 مليون و210000 على التوالي.
يستضيف الأردن ولبنان أكبر عدد من اللاجئين في العالم العربي، ومنهم نحو 655000 لاجئ سوري مسجّل في الأردن، ونحو 1.01 مليون في لبنان، إضافةً إلى جماعات اللاجئين الفلسطينيين المقيمين في لبنان منذ عهد بعيد، وتتألف من نحو 2.1 مليون، و450000 لاجئ مسجل.
وهذا يؤثّر تأثيراً بالغاً على المجتمع وعلى البنى الأمنية في كل من البلدين ويهدّد بتقويض العقود الاجتماعية القائمة. وقد أفضى استقرار أعداد ضخمة من اللاجئين في الأراضي الأفقر في كل من الأردن ولبنان إلى تسريع عملية الزحف الحضري إلى مناطق تفتقر إلى البنى الضرورية اللازمة، مثل مخيّمي المفرق والزعتري اللذين يؤويان 158683 لاجئاً سورياً، أو نحو 24 في المئة من جميع أولئك المسجّلين في الأردن.
تعرّضت أجهزة الضمان الاجتماعي، التي أظهرت مستوى عالياً من القدرة على التكيّف والكرم في استضافة اللاجئين هي أيضاً إلى ضغط هائل. فقد شهد الأردن ولبنان كلاهما تراجعاً في مستوى الخدمات الاجتماعية الأساسية مثل التعليم والصحة، وانخفاضاً في الأجور، وتزايداً في معدلات البطالة في قطاع الشباب والقطاع غير الرسمي، وارتفاعاً في معدل عمالة الأطفال. وفي لبنان، على سبيل المثال، يزاول العمل 10 في المئة من الأطفال السوريين اللاجئين، بمن فيهم 18 في المئة من الأطفال اللاجئين في سهل البقاع. ويُعتقد أن 26 في المئة من الأطفال اللاجئين السوريين سُحبوا من المدارس.
فاقمت أزمات اللاجئين سياسات الهُويّة التي غيّرت التكوين الثقافي لكل منطقة وعقّدت، إلى حد كبير، الجهود التي بُذلت بعد الحرب للمصالحة. وعلى سبيل المثال، أُخليت وأفرغت الموصل من أهلها المسيحيين للمرة الأولى منذ قرون، غير أن المسيحيين كانوا أفضل حالاً من الأيزيدين والشبك، والمندائيين، والشيعة والتركمان، الذين تعقّبهم تنظيم الدولة الإسلامية وقتلهم. كما أن عمليات نقل السكان لم تعد مجرّد آثار جانبية للصراع على السلطة السياسية في الاتفاقات السياسية المحلية في بعض المواقع. وعلى سبيل المثال، نصّت الاتفاقات لإنهاء الحصار على الزبداني في العام 2015 وداريّا العام 2016 في سورية على نقل السكان.
لم تؤدِّ هذه التركيبة الديمغرافية العربية إلى إضعاف الدول والمجتمعات العربية وحسب، بل قوّضت، ربما بدون أمل في الإصلاح، منظومة قيم التعايش والتعددية. ولا شك أن خلق الكيانات الإثنية والطائفية، سيفضي إلى زرع واستنبات بذور الصراع لعقود عدّة مقبلة، مع طرح مطالبات جديدة لاستخدام حق العودة.
وأخيراً، قد يؤدي ظهور لاعبين واقتصادات جديدة في مناطق النزاع، إلى إعطاء، دفعة للتهجير القسري، ويؤثر على مستقبل السلام. فقد غدا تهريب المهاجرين، على سبيل المثال، صناعة مترامية الأطراف للجريمة المنظّمة في أوروبا، يتراوح ريعها السنوي بين خمسة وستة مليارات دولار. وقد برز في سورية اقتصاد ضخم، مرتبط بالصراع، ويشمل بيع الأسلحة، وتهريب الأغذية والمنتجات الأساسية، وأنشطة إجرامية أخرى. وتشير بعض التقديرات إلى أن مايقرب من 17 في المئة من سكان سورية النشطين يعملون في الاقتصاد المرتبط بالنزاع، ما أسفر عن خلق طبقة جديدة تنامت ثرواتها بفعل الحرب.
ويستطيع كثير من هؤلاء اللاعبين، ومعهم أعداد كبيرة من المليشيات التي شُكّلت إبّان الحرب، أن يفسد أية فرصة في المستقبل للوصول إلى تسوية سلمية. ونتلمس اتجاهات مماثلة، ولكن إلى حد أقل، في العراق، وليبيا واليمن، كما نلمح آثارها على البلدان المجاورة. وقد غدت مدن تونس الحدودية، على سبيل المثال، متورطة بصورة وثيقة في اقتصاد ليبيا المرتبط بالحرب.
مع ارتفاع حدّة الصراع، قد يتواصل تدفق السكان النازحين على جانبي الحدود في البلدان العربية، دخولاً وخروجاً. وسيولّد هذا التوسع تحوّلات أكثر إثارة في النسيج الاجتماعي والنظرة الاقتصادية للمنطقة. وعودة هذه الأعداد الضخمة من اللاجئين ستعتمد، إلى حد بعيد، على شكل تسويات السلام التي ستضع حدّاً للنزاعات الحالية، وعلى قدرتها على ضمان السلامة والأمن لمن استطاع أن ينجو من أهوالها. وسيسهم توفير بنية تحتية نشطة اقتصادياً وموجّهة نحو قطاع الخدمات، وأوضاع إعادة الإعمار، واحتمال مشاركتهم في حكم أنفسهم بأنفسهم، في تسهيل عودة اللاجئين إلى أوطانهم بصورة آمنة.
الاستقطاب
يساهم التكوين الاجتماعي للسكان في نشوء الاستقطاب الاجتماعي وتراكبه. وفيما يبدو الاستقطاب ظاهرة عالمية، يمكن القول إنه ليس في العالم منذ العام 2011 منطقة مجزأة ومبعثرة كالشرق الأوسط. ومع أن التفاصيل المحددة تختلف من بلد إلى آخر، فإن الفضاءات المتاحة للأصوات المعتدلة انحسرت بصورة عامة. وقد مكّن إغلاق الزعماء العرب للفضاء العام وتجنّب أصوات الانشقاق الجانبية من تكريس ممارسات النظم الحاكمة السلطوية، وأجهزة المحسوبية والمحاباة والاستدراج، وفاقم الضعف العام الذي تشكو منه تيارات المعارضة ومنظمات المجتمع المدني، والفضاءات العامة ذات الطبيعة المنقسمة على ذاتها إيديولوجياً. ونتيجةً لذلك، لم يبق للفاعلين السياسيين والمواطنين على السواء سوى مجال ضيّق لإجراء التفاهمات والمصالحات، واضطر هؤلاء إلى الاختيار بين دعم الحكومة أو معارضتها أو الذهاب إلى نقطة أكثر خطراً، وهي تبنّي أو رفض قبول هُويّة طائفية أو إثنية أو قبلية محدّدة.
يمكن تقسيم الاستقطاب في المجتمعات العربية إلى فئتين عريضتين. الأولى إيديولوجية تتجلى في القوى الدينية والعَلمانية، وتتمثّل في التجارب المختلفة التي تعرضت إليها مصر وتونس بعد العام 2011. ففي مصر، حاولت القلة الأوتوقراطية العسكرية إقناع الجماهير بقبول الاستقرار والأمن عوضاً عن التعددية السياسية والحريات الشخصية. غير أن الإجراءات القمعية، مثل الانتهاكات الواسعة النطاق لحقوق الإنسان، وسن قوانين جريئة بطريقة غير ديمقراطية، ومنح المؤسسات الدينية والعسكرية صلاحيات لا رقيب عليها، ضاعفت من الانقسامات الاجتماعية الطويلة العهد وأفضت إلى المزيد من العنف.
في المقابل، وعلى الرغم من أن الانتفاضة الشعبية التونسية لم تُترجم تماماً إلى ثقة جماهيرية بالمؤسسات السياسية، فقد حققت البلاد نجاحاً مهمّاً في خلق الإطار اللازم لوضع نظام دستوري جديد يوحّد بين القوى العلمانية والدينية ويؤمن للمواطنين النفاذ إلى فضاء عام مليء بالحيوية يمكن فيه النظر إلى التظلّمات الاقتصادية، والتوترات الاجتماعية، وقضايا الهوية، والأهداف السياسية. وستُظهر الأيام ما إذا كان من المستطاع تعميق مأسسة روح المصالحة النادرة الي أبدتها النخبة السياسية التونسية خلال الفترة الانتقالية بعد العام 2011، أم أن تزايد الخوف من الإرهاب والعنف السياسي، والغوغائية الإيديولوجية قد حقنتا جرعة من العوامل المدمّرة في السياسة التونسية.
أما الفئة الثانية الأكثر عنفاً فتتمثل في الاستقطاب السياسي، الذي صاحب الاضطراب السياسي في المُجتمعات المُنقسمة إثنياً أو دينياً. ويمكن استغلال هذا الاستقطاب، بوصفه أداة سياسية مؤثرة، لتوفير كبش فداء، أو مَشجب تُعلَّق عليه السقطات الاقتصادية الاجتماعية، وتؤلّب عليه القواعد الشعبية الأساسية. وفي بلدان مثل العراق وسورية، تمّ في بعض الأحيان ضخّ جرعات من التطرُّف في الخطاب التحزّبي لدرجة إضفاء الشرعية على العنف السياسي أو المذهبي، ما شكّل أرضاً خصبة للتطرّف والإرهاب. وقد تباينت النتائج بين تصاعد وتائر التوتر الطائفي في البحرين ولبنان، وبين نشوب حروب أهلية وانهيار الدولة في العراق وسورية.
ففي العراق، أسفرت السياسات الطائفية عن بروز فراغ أهلي وخلل في السياق الاجتماعي الذي كان يفضي إلى العنف والإرهاب. وقد أدت النزاعات المستمرة للاستحواذ على الموارد الاقتصادية والتمثيل السياسي بين المجتمعات الكردية، والشيعية، والسنّية إلى خلق ملاذات آمنة لتنظيم الدولة الإسلامية، ودفعت جماعات اجتماعية أخرى تسعى إلى استغلال الانقسامات الطائفية، ومنها قوات الحشد الشعبي، إلى تبنّي استراتيجيات عنيفة مماثلة.
أما في سورية، أسفر نظام المحسوبية القائم على أساس طائفي، وطبيعة نظام بشار الأسد القمعي، عن انعدام الثقة الشعبية تقريباً بمؤسسات الدولة وحيادها. فقد انهارت فكرة وجود هوية وطنية سورية ومعها مفاهيم المواطنة الحديثة القائمة على المساواة في الحقوق والاستحقاقات للسوريين كافة. وقد أدّى تدمير النسيج الاجتماعي للبلاد والشرذمة الظاهرة في ما كان دولة سورية موحّدة، إلى توليد واقع جديد يضم إقطاعيات قامت على أنقاضها.
أما البحرين فهي اليوم أهدأ مما كانت عليه في العام 2011، عندما تظاهر عشرات آلاف المواطنين (وهو عدد ضخم في بلد يضم 1.3 مليون نسمة)، قبل أن تتصدّى لهم وتقمعهم قوى الأمن، بدعم قوي من المملكة العربية السعودية وبلدان الخليج الأخرى. بيد أن الفجوة لازالت آخذة بالاتساع بين الأقلية السّنية الحاكمة والأغلبية الشيعية المحرومة، ويبدو أن استقرار البحرين المعهود منذ أمد بعيد بدأت تظلله الشكوك إلى حد ما. وفي لبنان، غالباً ما يحتدم الصراع بين جماعات طائفية أو بين ممثليها السياسيين تحديداً، حول توزيع الموارد المحدودة والانتماءات الإقليمية المتنافسة. وأدّى الاستقطاب الناجم عن ذلك إلى إضعاف مؤسسات الدولة، وولّد الشك السياسي، ووسّع الفجوة بين السكان اللبنانيين والطبقة السياسية التي تحكمهم.
ومع قلة المداخل المؤدية إلى التعبير السياسي، تفسح أنظمة الحكم الاستقطابية المجال أمام هيمنة الأصوات الرافضة، ويصبح الخطاب السياسي المتطرّف مدخلاً محتملاً إلى تجذّر التطرف الديني. وما لم تعتبر عمليات الانتقال الديمقراطي عقوداً اجتماعية جديدة مبرمة بين المؤسسات الحاكمة والمواطنين للتغلب على التظلّمات الاقتصادية ونواحي العجز في منهج الحكم، فإن التطرّف والإرهاب قد يصبحان أكثر استهواء للجماعات المهمشة والمحرومة.
***
الملف من إعداد الأساتذة البحاث مروان المعشّر، مارك لينش، بيرى كاماك، ميشيل دنّ، عمرو حمزاوي ، يزيد صايغ، مهى يحيَ
______________