ضياء شقورة

لا ينبغي للديمقراطية أن تخشى النقاش، حتى حول الأفكار الأكثر إثارة للصدمة أو المناهضة للديمقراطية. ومن خلال المناقشة المفتوحة ينبغي التصدي لهذه الأفكار وإظهار سيادة القيم الديمقراطية. […] إن الإقناع من خلال النقاش العام المفتوح، بدلاً من الحظر أو القمع، هو الوسيلة الأكثر ديمقراطية للحفاظ على القيم الأساسية. وفي أي ديمقراطية، تمكن حرية التعبير والرأي والإعلام الجمهور والأفراد من مساءلة السلطات وتحقق مبادئ الشفافية والنقاش العام الواسع والمفتوح.

هكذا عبرت لجنة البندقية عن أهمية حرية التعبير والرأي والإعلام للديمقراطيات، حتى وإن كان الموضوع مناهضاً أساساً للديمقراطية.

فهي تشكل حجر الزاوية لكل مجتمع تسوده الحرية والديمقراطية، لما لها من أهمية وارتباط بتعزيز مبادئ الشفافية والمساءلة واعتبارها القاعدة الأساسية التي يُستند إليها للتمتع الكامل بطائفة كبيرة من حقوق الإنسان كحرية التجمع، وتكوين الجمعيات والحقوق الانتخابية.

قد يختلف الأمر قليلاً في ليبيا، فالسياق هنا مختلف.

عانت ليبيا على مدار 42 عاماً من حكم القذافي تغيباً تاماً للديمقراطية، الأمر الذي انعكس بدوره على حرية الرأي والتعبير، فابتعلت الدولة كل شيء و رسمت حدوداً لا يمكن تجاوزها“.

وبالرغم من وجود ودسترة بعض الحقوق ذات الصلة في دستور 1951، إلا أن الاعلان الدستوري لسنة 1969، جاء مغيباً لها واكتفى بمادة واحدة وهي حرية الرأي مكفولة في حدود مصلحة الشعب ومبادئ الثورة، وهو ما يعطي صورة واضحة ومقتضبة على السياسة المتبعة وقتها وعلى حرية الرأي والتعبير على مدار تلك السنوات.

جاءت الثورة الليبية مطلع عام 2011 بآمال كبيرة للتغير السياسي للبلاد نظاما ًومؤسساتً، ولتكون باباً لتغيير واقع الحقوق في البلاد الليبية، وأداة لإزالة القيود على الحريات بشكل عام وحرية التعبير بشكل خاص.

وقد جاء الإعلان الدستوري لعام 2011 متناغماً مع ذلك، إذ ذكرت ديباجته أنه إعلان يستجيب لرغبة الشعب الليبي و تطلعـاته إلى تحقيق الديمقـراطية وإرسـاء مبادئ التَّعـددية السياسية ودولة المُؤسسات.

وأكد هذا الإعلان على ضمان الدولة، من بين حريات أخرى، منها حرية الرأي وحرية التعبير الفردي والجماعي بما لا يتعارض مع القانون“.

يمكن تعريف حرية التعبير على أنها حرية البحث عن المعلومات والأفكار بكافة أنواعها وتلقيها ونقلها إلى الآخرين، بما يشمل التعبير عن الأفكار والمواقف والتصورات للغير بكل الوسائل الممكنة.

ولا تشمل هذه الحرية فقط على المعلومات أو الأفكار التي يتم تلقيها بشكل إيجابي أو التي تعتبر غير مسيئة، ولكن أيضًا على تلك التي تسبب صدمة أو إزعاج للدولة.

طبعا، حرية التعبير ليست حرية مطلقة، إذ تستوجب ممارستها واجبات ومسؤوليات خاصة“. ولذلك يمكن أن تخضع للقيود شرط أن تكون ضرورية ومحددة بنص القانون.

ويطرح موضوع حرية التعبير اليوم عديد من التساؤلات في ليبيا، خاصة وأنها، وبالرغم من الإعلان الدستوري الصادرة قبل أكثر من 13 سنة، لازالت تواجه إرثاً مكبلاً بالقيود وحاضراً قلق ومستقبلاً مجهول.

فما هي تحديات إعمال واحترام وحماية حرية التعبير؟

على الرغم من التطلعات التي أتت بها الثورة، والضمانات التي حاول النص الدستوري الجديد القيام بها، فقد عقد الوضع الاستثنائي في ليبيا مساعي الانتقال الديمقراطي، إذ تحولت الاحتجاجات إلى أعمال عنف ونزاع مسلح وانقسام سياسي، أفشل مساعي التغيير، الأمر الذي انعكس أيضاً على حرية التعبير.

سنحاول في هذا المقال الحديث في مرحلة أولى عن الإطار القانوني لحرية التعبير (أولاً)، وفي مرحلة ثانية عن الضمانات القضائية لحرية التعبير (ثانياً).

أولاً: إطار قانوني مُقيد لحرية التعبير

بالتأكيد، كما أشرنا له سابقاً، حرية التعبير ليست مطلقة، إذ يمكن للدول، لضرورات معينة، تقييد هذه الحرية بشروط.

ولكن على الرغم من أن ليبيا طرف في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية منذ عام 1970، والذي تُلزم الدولة الطرف، وجميع أجهزتها التنفيذية والتشريعية والقضائية، بضرورة احترام وحماية وإعمال حرية الرأي والتعبير،

إلا أن العديد من القوانين المقيدة لحرية التعبير بطريقة تعسفية، والتي سنت قبل الثورة لا تزال سارية حتى يومنا هذا، ما يشكل إرثاً قانونياً مكبل لحرية التعبير .

بالإضافة لذلك، فهناك تشريعات سُنت في فترة ما بعد الثورة، وهي أيضاً تشريعات مقيدة لحرية الصحافة والتي أفرغت الضمانة الدستورية الواردة في الإعلان الدستوري لعام 2011 من محتوها وهو ما يمكن التعبير عنه بالحاضر القانوني المقلق.

أ‌. إرث قانوني مكبل لحرية التعبير منذ أكثر من خمسين عاماً

جاءت المادة 14 من الإعلان الدستوري واضحة فيما يتعلق بحرية الرأي والتعبير، فهو حق مضمون، بما لا يتعارض مع القانون.

إلا أن أغلب القوانين التي تتسم في أغلبها بالتضيق على حرية التعبير يعود تاريخ اعتمادها لأكثر من خمسين عاماً ولا زالت سارية المفعول واستخدمت من السلطات ذات الصلة خلال العشرية الأخيرة مثل قانون المطبوعات رقم 76 لسنة 1972، الذي وضع العديد من العراقيل أمام ممارسة حرية التعبير والصحافة والنشر.

وقد اعتبرته اللجنة المعنية بحقوق الإنسان في أكثر من مناسبة مقيداً لحرية التعبير ويفرض قيوداً صارمة على حرية الرأي والتعبير، وشجعت اللجنة أن تقوم بمراجعته لكي يتوافق بشكل عام مع مواد العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

ويعود ذلك بالأساس لمجموعة من الإشكاليات، لعل أهمها فكرة الترخيص لعمل وسائل الإعلام بما يسمح بسلطة تقديرية غير مقيدة لمنح ورفض هذه التراخيص.

بالرغم من أن القانون نفسه ينص على أنه لا يجوز فرض الرقابة على الصحف قبل نشرها، إلا أن القانون جاء بمواد مخالفة لهذا المبدأ.

إذ فرضت المادة 28 عرض كل مطبوعة أجنبية على إدارة المطبوعات وذلك قبل توزيعها“.

وتضيف المادة 5 من القانون أن صاحب المطبوعة الدورية أو شبه الدورية يجب أن يكون مؤمنا بالثورة العربية وملتزما بأهدافها وأهداف ومبادئ العمل في الاتحاد الاشتراكي العربي، مما يمكن أن نفهم منه القيود التعسفية التي يمكن فرضها على حرية التعبير.  

 من جانب آخر، فاستمرار تطبيق قانون العقوبات وخاصة تطبيق المواد 178 و195 و205 و208 و245و 438 و439 منه، يمثل أحد التحديات والعراقيل الرئيسة أمام احترام وحماية حرية التعبير.

وتشمل هذه الجرائم على سبيل المثال، إهانة الموظفين العمومية أو الأمة الليبية أو العلم الليبي، أو السلطات الدستورية أو الشعبية. كما يجرم القانون أي فعل غايته إثارة حرب أهلية في البلاد أو تفتيت الوحدة الوطنية.

وفي نفس الإطار، تجرم المادة 207 من قانون العقوبات الترويج بأي طريقة من الطرق لنظريات أو مبادئ ترمي لتغيير مبادئ الدستور الأساسية أو النظم الأساسية للهيئة الاجتماعية.

تطرح هذه المواد إشكاليات قانونية عديدة وتمثل تحدياً لاحترام الإعلان الدستوري لعام 2011 ولإعمال التزامات ليبيا، خاصة تلك المتعلقة بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ولعل أهمها استخدام عبارات مطاطة مصطلحات فضفاضة غير منضبطة، مثل (الإهانة أو خدش الاعتبار)، بما يسّهل التوسع في تفسيرها على نحو يقضي تمامًا على حرية التعبير.

علاوة على ذلك، تولي اللجنة المعنية بحقوق الإنسان في تعليقها عدد 34 حول المادة 19 أهمية كبيرة لقيود حرية التعبير والصحافة، وترى أن اعتبار أشكال التعبير مهينة للشخصية العامة لا تكفي لتبرير فرض عقوبات.

فتجريم بعض الممارسات مثل انتقاد الجهات الرسمية وعدم احترام العلم والرموز لا ينبغي أن تشكل قيوداً على حرية التعبير والصحافة. وينبغي ألا يُحظر انتقاد المؤسسات الرسمية.

ولا تزال هذه القواعد القانونية، والتي يتجاوز عمرها الخمسين عام، تشكل إرثاً ثقيلاً ومكبلاً لحرية التعبير في فترة انتقال ديمقراطي مُعقدة. إذ تستخدمها السلطات الليبية في ملاحقة وتضيق الخناق على حرية التعبير.

من ذلك على سبيل المثال الحكم الصادر عن إحدى محاكم الجنايات في ليبيا على رئيس تحرير صحيفة الأمة، عمارة الخطابي، بالسجن لمدة 5 سنوات لمزاعم بتشهيره بمسؤولين عمومين على خلفية نشر القائمة السوداء في القضاء، لأسماء 87 من القضاة وأفراد النيابة واتهامهم بقبول الرشاوى وغير ذلك من أوجه الكسب غير المشروع، تم بناءه، من بين قوانين أخرى، على المادة 195 من قانون العقوبات.

يتبع

***

ضياء شقورة ـ باحث في القانون العام، مهتم في أبحاثه بمسائل تخص الحقـوق المدنية والسياسية. حاليا، يقوم بإعداد رسالة دكتوراه حول الدستورية في دول ما بعد الربيع العربي

________________
المصدر: مجلة موازين وهي مجلة قانونية بحثية تخص المجتمع الحقوقي والخبراء القانونين وأصحاب الخبرة لتقييم الأوضاع ووضع التصورات للمستقبل

مواد ذات علاقة