كفاية أولير

وتقول بلومبيرغ نيوزفي تحقيقها إن حال السفينة كوين ماجدةتوحي بشيء أكبر، كما لم يذكر المدعون الألبان مصدر الوقود، لكنهم يزعمون أنه جرى الاتجار به بشكل غير قانوني، فيما يواجه القبطان وأفراد الطاقم الثلاثة أحكاماً بالسجن تصل إلى 10 سنوات، وسمح لستة آخرين بالعودة لبيوتهم.

وكان لشعلة وأفراد الطاقم الذين ما زالوا على متن السفينة الحرية في القدوم والذهاب كما يحلو لهم، وهو ترتيب غير عادي نظراً إلى خطورة الاتهامات، فهم استخدموا دراجة هوائية لشراء البقالة، لكن في الغالب كانوا يهتمون بمولدات السفينة وغيرها من المعدات. وكانت السفينة كوين ماجدةلا تزال محملة بالوقود الذي لم يسلم مطلقاً، وكانوا بحاجة إلى التأكد من عدم وجود تسربات أو أخطار نشوب حريق، إذ كانوا يعيشون مع حمولة يحتمل أن تكون قابلة للانفجار.

وكان الكوفي، القبطان، اشتكى عبر تطبيق واتسابمن أنه وطاقمه كانوا بيادق عالقين في وسط صراع على السلطة بين الأذرع المتنافسة للمؤسسة الوطنية للنفط الليبية، وقال جعلوني أبدو كرجل مافيا، كان بإمكاني رفع المرساة والهرب، ولو كان لدي ما أخفيه لحاولت الهرب“.

لكن الكوفي رفع المرساة، وفقاً للمدعين العامين، إذ غادر السفينة ذات صباح في أواخر يونيو الماضي، ولم ترد الرسائل منه منذ ذلك الحين.

ليبيا ومحاربة آفة تهريب الوقود

كان رئيس ديوان المحاسبة الليبي خالد شكشك، وهو هيئة الرقابة المالية الحكومية، أحد المسؤولين القلائل الذين أبدوا استعداداً للحديث عن تهريب الوقود، واتفق على الاجتماع مع بلومبيرغ نيوزفي سبتمبر الماضي، في فندق في تونس العاصمة الساحلية المجاورة لبلاده، على بعد حوالى ساعة جواً من طرابلس، وصل حليق الذقن ويرتدي بدلة رمادية كرجل في مهمة، مع ثلاثة مساعدين ومجلد من المستندات التي أشار إليها خلال المقابلة.

وكان شكشك، الذي ترأس ديوان المحاسبة على مدى العقد الماضي، ينفذ حملة للقضاء على آفة تهريب الوقود، وهي المشكلة الراسخة التي تفاقمت منذ انهيار نظام معمر القذافي في عام 2011، مما أدى إلى صراع مستمر بين الفصائل العسكرية المتنافسة وأمراء الحرب والشبكات الإجرامية.

وفي عام 2017، كشف المدعون العامون في إيطاليا ومالطا عن شبكة إجرامية دولية هربت وقود الديزل إلى السفن في مالطا، ثم إلى السوق الأوروبية في نهاية المطاف. وتتعلق القضية بنجم كرة قدم مالطي سابق، وميليشيا ليبية مسلحة، وشركة شحن إيطالية والمافيا، بحسب المدعين الإيطاليين.

وبحلول مايو (أيار) 2022، لاحظ مسؤولو شركة النفط الوطنية نمطاً من تجارة الوقود المهرب من ليبيا إلى تركيا، لكنهم لم يتمكنوا من إيقافه، وفقاً للوثائق التي اطلعت عليها بلومبيرغ“. وفي مذكرة بتاريخ الـ10 من مايو الماضي، إلى النائب العام الليبي، قال رئيس المؤسسة الوطنية للنفط السابق في ليبيا مصطفى صنع الله (قالت حكومة عبدالحميد الدبيبة في عام 2022 إنها استبدلته وعينت رئيساً جديداً في مقر الشركة، لكن صنع الله قال إن المسؤولين التنفيذيين والشركات التابعة للمؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا ما زالوا يعترفون به رئيساً)، إن ثلاث سفن، بما في ذلك كوين ماجدة، تنقل شحنات وقود غير قانونية، وحث المدعي العام على اتخاذ الإجراءات اللازمة.

وانتشر برنامج الوقود المدعوم في ليبيا، الذي بدأ في عهد القذافي في أواخر السبعينيات انتشر في السنوات القليلة الماضية، وفقاً لشكشك، وقفز بأكثر من 70 في المئة إلى 62 مليار دينار (12.8 مليار دولار) في السنة المالية 2022، من 36 مليار دينار (7.4 مليار دولار) في 2021، وكان هذا ما يقرب من نصف الموازنة الوطنية، وكان في طريقه لأن يصبح أكبر في عام 2023، وجرى تهريب ما يصل إلى 40 في المئة من ذلك، أي حوالى 5 مليارات دولار في عام 2022، وفقاً لتقديرات مكتب التدقيق التي شاركها شكشك مع بلومبيرغ“.

كانت تقديرات البنك المركزي الليبي أعلى من ذلك، إذ قال إن  التهريب كلف البلاد 30 مليار دينار (6.2 مليار دولار) في عام 2022.

وقال رئيس مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط الليبية الحالي، فرحات بن قدارة، في يوليو 2022، عبر البريد الإلكتروني، إن تهريب الوقود يمثل مشكلة كبيرةلكنه لا يستطيع تقديم تقدير لحجم السرقة أو قيمتها، وقال إن مؤسسته طلبت من شركة البريقةتركيب أنظمة تتبع بنظام تحديد المواقع العالمي (GPS) لمساعدة السلطات في التحقيق، وأوصت الحكومة بإعادة النظر في برنامج الدعم الخاص بها.

ودعا شكشك إلى استبدال الدعم بدفع مبلغ مقطوع قدره 1000 دولار لعائلات لتلبية احتياجاتها من الطاقة، وقال إن سياسة دعم الوقود بشكلها المطبق حالياً هي هدر للمال العام، واستنزاف لموارد الدولة. إنه ينشر الجريمة وعدم المساواة في توزيع الموارد ويقوض الديمقراطية“.

الافتقار للشفافية

وفي بلد لا يضم سوى عدد قليل من المؤسسات القوية وتهيمن عليه الميليشيات والولاءات القبلية، سعى شكشك إلى محاسبة من هم في السلطة، وأدت عمليات التدقيق التي أجراها إلى إيقاف أو إقالة عشرات المسؤولين بسبب الفساد، وإساءة استخدام الأموال العامة وقضايا الحوكمة، وانتقد مراراً وتكراراً البنك المركزي وشركة النفط الحكومية بسبب افتقارهما إلى الشفافية، وهي ادعاءات دحضها البنك وشركة النفط علناً.

نجا شكشك من محاولة لإقالته في عام 2014، وفي عام 2017، دعا إلى رقمنة برنامج الدعم كوسيلة للحد من النفقات، بحيث تمنح العائلات الليبية بطاقة شحن محملة مسبقاً يمكنهم استخدامها لشراء الوقود بأسعار مدعومة، في نقاط البيع في جميع أنحاء البلاد، وبمجرد استنفاد الأسر لمخصصاتها الشهرية، سيطلب منها شراء الوقود بأسعار السوق، إلا أن الاقتراح لم يذهب إلى أي مكان.

وقال شكشك إن المؤسسة الوطنية للنفط لديها نظام محاسبي ضعيف، لا يتوافق مع المعايير الدولية، وليس لديه رؤية كاملة لما تفعله الشركات التابعة لها، وقال إن ليبيا تواصل استيراد مزيد من الوقود المكرر الذي لا يصل أبداً إلى المواطنين، وكان البرنامج يهدف إلى مساعدتهم، وفعلت البلاد ذلك على رغم انكماش الاقتصاد بنسبة 1.2 في المئة في عام 2022، وفقاً لتقديرات البنك الدولي.

وأضاف أن كميات كبيرة من الوقود تهرب لدرجة أن الليبيين في بعض المناطق الجنوبية والحدودية يقفون لساعات في طوابير طويلة، لتزويد سياراتهم بالوقود أو شراء الوقود من السوق السوداء بأسعار متضخمة. وقال شكشك إن عدداً كبيراً من المواطنين والأسر لا يستفيدون، بخاصة ذوي الدخل المحدود، مما يؤدي إلى فقدان برنامج الدعم غرضه. المستفيدون الحقيقيون من هذا الدعم هم أصحاب الشركات والمصانع والسيارات الفاخرة، مما ينتج منه ظلم في توزيع موارد الدولة“.

وأضاف أن النشاط الوحيد الذي يفسر ارتفاع الواردات هو ارتفاع التهريب.

التهريب يمكن أن يهز الأسواق العالمية

ويمكن للتهريب أن يهز الأسواق العالمية، ففي يناير الماضي أجبرت الاحتجاجات في حقل الشرارة النفطي، التي اندلعت جزئياً بسبب نقص الوقود، المؤسسة الوطنية للنفط الليبية على إغلاق المنشأة لمدة ثلاثة أسابيع، وساعد إغلاق أكبر حقل نفط في البلاد، الذي يمكن أن ينتج حوالى 300 ألف برميل يومياً، في رفع أسعار النفط الخام أكثر من ثلاثة في المئة في ذلك الأسبوع.

في حين كلف سحب الوقود الليبي البلاد حوالى 750 مليون دولار في عام 2018، وفقاً لرئيس المؤسسة الوطنية للنفط الليبية آنذاك مصطفى صنع الله، الذي لم يستجب لطلبات التعليق من بلومبيرغ“. وفي عام 2021، عندما رفضت الحكومة تخصيص مزيد من الأموال للوقود المدعوم، ونفذ برنامجاً يمكن من خلاله استبدال الخام الليبي غير المعالج بالوقود من شركات الطاقة الأجنبية، وسيغطي مشتري النفط الخام أي فرق في السعر.

التهريب ومليارات اليورو من عوائد الضرائب المفقودة

ويكلف التهريب الدول الأوروبية مليارات اليورو من عائدات الضرائب المفقودة، ويستفيد المهربون من فرق السعر بين الوقود المدعوم وما يباع في السوق السوداء. وعلى رغم أن ليبيا ليست الدولة الوحيدة في المنطقة التي تقدم الدعم، إلا أن سعر وقودها مخفض للغاية مما يجعلها هدفاً مناسباً، وأدت حرب روسيا مع أوكرانيا إلى فارق أكبر ي الأسعار. وفي حين يدفع الليبيون قرشاً واحداً فقط في مقابل لتر البنزين، أي نحو واحد في المئة من سعر السوق، فإن المستهلكين في أوروبا يدفعون نحو دولارين.

ووفقاً لشركة سيسبا، وهي شركة سويسرية تدير برنامجاً لوضع علامات على الوقود لتحديد التجارة غير المشروعة، ويقدر المسؤولون الإيطاليون أن ما يصل إلى 20 في المئة من الوقود المستخدم للنقل في عام 2021 يأتي من السوق السوداء، وذلك بشكل رئيس من خلال الواردات غير القانونية التي تتهرب من الضرائب بنحو 3 مليارات دولار سنوياً.

وقال شكشك أصبحت هذه الآن قضية فساد كبرى، لقد تحولت من تهريب على نطاق صغير يقوم به أفراد إلى جريمة منظمة تنفذها مجموعات ذات قوة ونفوذ، باستخدام ناقلات النفط والشاحنات الكبيرة“.

وقال المحلل في تشاتام هاوس، تيم إيتون، وهي منظمة غير ربحية مقرها لندن من الواضح أن المستفيدين من تهريب الوقود كانوا يتحركون أعلى وأعلى في السلسلة الغذائية. الآن لديك جماعات مسلحة تبيعها، وأصبحت على نحو متزايد جريمة عابرة للحدود الوطنية تتورط فيها السلطات في ليبيا“.

وفي اجتماع متلفز في نوفمبر الماضي، اتهم رئيس الوزراء الليبي عبدالحميد الدبيبة شركة البريقة، التي تستقبل الوقود المستورد وتسلمه لشركات النقل لتوزيعه، بالإسهام في ارتفاع تهريب الوقود من خلال تقديم طلبات كبيرة للمنتجات النفطية، وهذه هي الشركة نفسها التي كان اسمها موجوداً في وثائق الشحن الخاصة بالسفينة كوين ماجدة“.

من جانبه وصف رئيس شركة البريقةفؤاد علي هذه الادعاءات بأنها لا أساس لها من الصحة، وفي مقابلة مع بلومبيرغفي يناير الماضي، قال إن الشركة تجمع، ولكنها لا تدقق في طلبات الوقود للوكالات الحكومية الرئيسة، إنما تمررها للموافقة على الموازنة، وهي ليست مسؤولة عن نقل الوقود بعد تسليمه لشركات التوزيع. ليس هناك ما يكفي من الرقابة“.

أضاف لا توجد متابعة من أي طرف، ونحن قلقون للغاية في شأن تهريب الوقود، فالوضع سيزداد سوءاً في المستقبل ما لم يتم القيام بشيء ما، لكن البريقة تفتقر إلى الاختصاص والسلطة“.

ولم يرد مكتب الدبيبة على أسئلة بلومبيرغالمتعلقة بـالبريقةولا وزارة المالية الليبية.

________________

مواد ذات علاقة