د. رامز إبراهيم

في السنوات القليلة الماضية، تنامت معضلة المليشيات والقوات شبه العسكرية في المنطقة العربية، حيث ترافق سقوط العديد من نظم الحكم منذ العام 2011 مع تلاشي سلطة الدولة المركزية.
وبدا أن التحولات السياسية التي حدثت في بعض الدول، مثل اليمن وليبيا وسوريا والسودان، قد نالت سلباً من تمتع هذه الوحدات السياسية بالاحتكار المشروع للعنف من جانب سلطة مركزية في وسعها بسط سيطرتها وسيادتها على إقليم محدد.
ويثير هذا التطور إشكالية كبرى بالنسبة لمستقبل بعض الدول في المنطقة العربية؛ إذ إن تَوزع السيطرة على أدوات الإكراه بين جهات عدة متنافسة قد أفضى إلى سيادة أنماط من الصراع العنيف؛ ولقد قلصت تلك التفاعلات الصراعية بشدة من احتمالات التحول الديمقراطي المأمول، وجعلت مشروع الدولة الحديثة نفسه عُرضة للانهيار.
ويبدو بديل الدولة هو الفوضى المدمرة لأساليب العيش المستقرة، فمع الدولة يأتي الأمن، والأمن هو الشرط الضروري الذي يمكن في ظله للأفراد إشباع غاياتهم المشتركة.
وفي هذا السياق، يسعى هذا التحليل إلى استقصاء جملة العوامل التي أفضت إلى نشوء ظاهرة القوات شبه العسكرية واستمرارها في بعض الدول العربية، وخاصة مع تصاعد الصراعات المسلحة في الإقليم على غرار ما يحدث حالياً في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع، وعرض مقترحات للتعامل مع هذه التنظيمات شبه العسكرية، ولاسيما ما يتعلق بمنظور إدماجها في القوات المسلحة النظامية للدول.
ماهية القوات شبه العسكرية:
المليشيات والقوات شبه العسكرية هي جماعات مسلحة تابعة أو إضافية، أُنشأت لتأدية أدوار أمنية محددة، لكنها لا تخضع لسلسلة السيطرة والقيادة الخاصة بالقوات المسلحة النظامية، وتبدو تلك الكيانات أكثر قابلية للتعبئة السريعة وتواؤماً مع الأخطار (الداخلية بالأساس) من الجيوش النظامية، فضلاً عن أن تشكيلها يجعلها أشد قابلية للإذعان والامتثال لقائد محدد أو للنظام الحاكم، حيث تتألف عادة من أفراد يجمعهم انتماء إثني أو عرقي واحد.
وفي المقابل، تتألف الجيوش النظامية من أفراد ينتمون لتكوينات مجتمعية شتى، فضلاً عن التزامهم بالتسلسل الطبيعي للقيادة والسيطرة الخاص بالجيش النظامي.
وبصفة عامة، يزداد احتمال إنشاء تلك الجماعات عندما يكون هناك خطر داخلي يهدد النظام الحاكم، وهكذا تظهر تلك الكيانات باعتبارها وسيلة ملائمة لمجابهة التهديدات التي قد تعجز قوات الأمن النظامية (الجيش والشرطة) عن التعامل معها.
ولعقود عديدة مضت، نشأت مئات من تلك التنظيمات في إفريقيا وآسيا والشرق الأوسط فضلاً عن أمريكا اللاتينية. ولم يقتصر توظيف التنظيمات شبه العسكرية على دول العالم الثالث، لكنه امتد أيضاً للقوى الكبرى، حيث وُظفت تلك الكيانات على نطاق واسع من جانب الولايات المتحدة الأمريكية في حربها في فيتنام، ومن جانب بريطانيا في إيرلندا الشمالية، وكذلك الاتحاد السوفيتي السابق في أفغانستان.
وبينما يُعد ضعف الدولة الشرط الضروري الأول لظهور تلك المليشيات، يمثل الصراع المسلح عاملاً آخر يفسر ظهورها، حيث تعكس المليشيات والتنظيمات شبه العسكرية أزمة حادة تعيشها الدولة؛ وبسبب عجز الحكومة عن التعامل مع التحديات الموجهة لسلطتها من قِبل المتمردين.
وهكذا يندر ظهور تلك الكيانات المسلحة قبل بدء الصراع الداخلي، والمثال البارز على ذلك مليشيا “الجنجويد” في السودان التي أُعيد تكوينها وتنظميها للقتال ضد أعداء النظام في الخرطوم.
ونظراً لأن معظم تلك التنظيمات يجرى تعبئتها في خضم الصراع المسلح، فإن عدداً قليلاً منها فقط يستمر بعد نهاية الحرب الأهلية أو إثر تنامي قوة الدولة، وهكذا عُدت قوات مثل “الكوبرا والنينجا” في الكونغو لا لزوم لها؛ وجرى حلها عقب انتهاء الصراع الداخلي.
وطالما تتلاقى مصالح الدولة مع مصالح تلك المليشيات، فإنها تتجنب تحدي الحكومة أو الإطاحة بها، حيث يمثل حفظ الوضع القائم الهدف الرئيسي لمعظم المليشيات المسلحة، بيد أن تلك التنظيمات قد تعمل في بعض الأحيان على تجاهل الحكومة أو تقوم بمهامها كمؤسسات بديلة.
إن التنوع الهائل في طبيعة المليشيات والتنظيمات شبه العسكرية يجعل أي محاولة للتعميم بخصوص سماتها وتأثيرها في البيئة الأمنية والسياسية في أي دولة أمراً محفوفاً بالصعوبات، لكن بصفة عامة يمكن تصنيف تلك التنظيمات من عدة زوايا رئيسية؛
فمن ناحية أولى يمكن فحص ميزان القوى السائد بينها وبين الجيش النظامي من منظور القوة العسكرية والموارد المتاحة تحت تصرفها والروح القتالية لأفرادها.
فعلى سبيل المثال، تُقدر بعض الدراسات عدد القوات الشيعية المتطوعة في العراق بـ90 ألف مقاتل، والعدد الإجمالي للمتطوعين الشيعة الذين انخرطوا في الحرب ضد تنظيم داعش بمليون مقاتل في العام 2014.
ومن جهة ثانية، يوجد معيار التمثيل السياسي في مؤسسات الدولة والعمل ضمن الإطار القانوني، حيث يشارك قادة بعض تلك التنظيمات في الحياة السياسية للدولة، وعلى وجه التحديد في المؤسستين التنفيذية والتشريعية، وهكذا قد تتمتع تلك المليشيات بوضع قانوني وتستند أنشطتها إلى قوانين رسمية.
فعلى سبيل المثال، تأسست قوات الحشد الشعبي في العراق من جانب وزارة الداخلية، وتخضع للإطار القانوني المنظم لعمل قوات الأمن الرسمية، لكن بصفة عامة تظل الكتائب الشيعية المتعددة في العراق خارج السيطرة المباشرة للحكومة المركزية، إلا أن قادتها يرتبطون بعلاقات وثيقة بالنخبة السياسية.
وبالرغم من أن تلك المليشيات تظهر للدفاع عن مصالح إثنية أو طائفية لقطاعات معينة من السكان، إلا أنها تسعى لإضفاء الشرعية على وجودها من خلال تصوير نفسها حارساً على الوحدة الوطنية والتكامل الإقليمي للدولة.
أسباب الصعود:
تمثل الحرب الأمريكية على العراق في عام 2003، نقطة تحول في المنطقة العربية فيما يخص المليشيات والتنظيمات شبه العسكرية، حيث أعقب احتلال العراق قرار حل الجيش الوطني، وشكل الفراغ الأمني الذي خلفه هذا القرار وتوفُّر حشد هاشل من المتعطلين عن العمل والمتمرسين في توظيف العنف أساساً لظهور العديد من الجماعات الطائفية المسلحة.
وبالإضافة إلى ما سبق، أفضى سقوط النظم الحاكمة في بعض الدول العربية عقب أحداث عام 2011، إلى خلق البيئة المناسبة لتشكل المليشيات التي تتصارع فيما بينها من أجل السيطرة على الدولة (الحالة الليبية)، والتي تسهم في تكريس حالة من الاضطراب وعدم الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط (الحروب في سوريا واليمن).
إن أزمة الدولة القومية في بعض البلدان العربية تُفسر، جزئياً، صعود تلك التنظيمات وتنامي تأثيرها، حيث أفضى العجز في شرعية الدولة وعدم قدرتها على القيام بوظائفها الأمنية والاقتصادية والسياسية بكفاءة، إلى الحد من قدرتها على احتواء الهويات الطائفية والقبلية داخل إطار قومي تجسده، وإلى انتعاش الهويات الفرعية.
وواقع الأمر أن ضعف الدولة وانهيار سلطتها المركزية في بعض البلدان قد غذى عجزها فيما يخص احتكار توظيف القوة المسلحة، كما أن الدولة باتت غير قادرة على فرض سيطرتها على إقليمها وتوفير الأمن والحماية والحاجات الأخرى الضرورية لمواطنيها.
وفي هذا السياق، يصبح بالإمكان فهم ظهور وتمدد حزب الله في لبنان، وحركة الشباب في الصومال، فضلاً عن أن السودان والعراق قد شهدتا ظهور العديد من التنظيمات شبه العسكرية قبل وبعد الثورات العربية عام 2011.
…
يتبع
***
د. رامز إبراهيم ـ مدرس بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة
_____________
المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدة
