فرج سعد خليفة

تبدلت حياتنا على أوجه كثيرة لا تحصى. وتبدلت أيضا المعاني، والأماكن والأسماء. أحوال لا تُعرف مصارها، وأحوال متتالية لا تتوقف، وكأن عاصفة طويلة الأمد تمر بنا.

وللحقيقة فإن القمع الذي جال ودار زهاء عقدين ونيف من الزمن كان من حسن حظنا أن نصبح شهودا عليه لا شهداء فيه، بغض النظر عن ذكر إسم من ورطنا في هذه المحنة وأهدر أعمارنا ودمر أعصابنا وشردنا مرارا وأفقدنا أناساً وأقارب وبيوتا وفرص عيش كريم وطمأنينة لم يعد من المستطاع نيلها في مستقبل قريب.

ولا شك أن حياتنا لم تعد من الممكن أن يستقيم سردها إلا على نحو واحد، وهو التغيير والإصلاح، بما يتضمن من بناء دولة القانون والمؤسسات، وصحافة حرة، وحرية رأي مكفولة لكل فرد في المجتمع، وكل محاولة للإنحراف عن هذا السياق في اعتقادنا ستكون لفترة مديدة فاسدة ولا تختلف عما نحن فيه الآن.

والغريب حقا أن هناك شريحة في مجتمعنا لا زالت رهينة الماضي أو التوق إلى الماضي، وهو تفسير للحاضر من خلال السلف، تقضي الوقت الأكبر في أحاديثها اليومية في الحنين إلى الماضي وعقد المقارنات واسترجاع ماض لا يمكن أن يعود. تجدها تتصرف في يومياتها بالاحتكام إلى المقارنة بين ما قبل 1969م ومابعدها.

بل تقوم بتأليف صور كثيرة تؤلفها من بقايا ذكرى وأحاديث تجعلها ملاجئ حب وأمل مزدهر، ومكانا للعيش الرغيد والكرامة المفقودة. فأصبح الحاضر التي تعيشه هذه الشريحة نسخة مكررة وتقمص ومحاكاة.

والملاحظ على هذه الشريحة أيضا هو مقارنة المعايير الثقافية والاخلاقية للأفراد قبل 1969م وبعدها. حتى أن الأجيال التي ولدت في السبعينيات أصبحت تتحسر على الحياة التي انقضت قبل 1969م، في حنين تستعيره من آبائها وتعطيه دفعا جديدا واستثنائية سيكولوجية يائسة لا مرد لها إلا القنوط والإحباط.

والمفارقة فعلا، أن أبناء جيل السبعينيات، وبإرادة شهية، يطمسون تاريخ أمة ويقتلعونها من ذاكرتهم وأرشيفهم، بل إن النسيان الكامل يتهدد تاريخ أمة بأسرها.

وبإرادة وتصميم منقطعي النظير لا يود جيل تجارة الشنطة، وتجار السوق الموازية، وتجار العملة، ووكلاء العمولة، وأصحاب الثروات غير المشروعة، تذكّر ما مرت به البلاد أو ما أصبحت عليه الآن.

فهم في مشاريعهم وتجارتهم وتصرفاتهم وعبثهم بمقدرات الوطن يحاولون جاهدين الإبقاء على ما هو عليه، مثلهم في ذلك كمثل الطحالب التي تفضل غالبا الحياة في المياه الملوثة والاماكن ذات المياه الضحلة.

إلا أن خيبة أمل مؤلمة أصابت ولا زالت تصيب كل محاولة من محاولاتهم، فالصدوع والتحولات والكسور التي حصلت من جراء عدم الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي والسياسي جعلت محاولاتهم في الإبقاء على الواقع بما هو عليه أمرا خارج دائرة الممكن.

ولا ضرورة لسرد الأسباب، ويكفي أن نذكر التفسخ السياسي وغياب القانون والاختناق الاقتصادي واندثار المؤسسات، إلى آخره.

أن ما يحرك الليبيين ليس الحنين إلى الماضي، إنما الفقدان والخسارة، وهم في أي حال لا يفلحون في النسيان، ولا في التذكر، فغبار كثيف ولده دمار المؤسسات أصبح يحجب رؤيتهم. وهم في صمتهم عما يجري من أحداث واختراقات يتعثرون في الجري والسير في زمنهم الحاضر.

إذ يكفي أن تراقب بؤس الاغنياء ـ أصحاب الثروات غير المشروعة أو ما يطلق عليهم في ليبيا أغنياء الأمانات ـ في سياق عجزهم المكشوف عن مجاراة أغنياء ما قبل 1969م، وهو عجز ناتج عن عدم مشروعية ثروتهم التي تفتقد إلى تقاليد ووسائط وأقنية كانت تنتج وتصرف وتؤلف صورة الثرى المتحضر والاستقراطي الملتزم، يوفرها لها مشروع دولة القانون والمؤسسات، ونظام مجتمع مرسوم ومستقر.

إن بؤس الليبيين ينتج ببساطة لأنهم يضعون نصب أعينهم ليبيا الأمس وثروتها، ليبيا الوطن الذي ذهبت شروطه ودعائمه وفكرته في مهب نظام لا يميز بن الأمانة والخيانة.

وهذا الأمر، وإن كان مدعاة للشفقة، إلا أنه أيضا يجدد ويبعث الشاعرية التي تغلف لغة الليبيين وانفعالاتهم وسلوكهم على نحو تراجيدي وبائس.

إنها نزعة تقيم المثال، الذي تجسَّد في الإنطباع المُتولِّد عن الماضي، بدلا من أي وضع راهن وواقع. فهم يتعاملون مع الأمانات (!) مثلا لا كما هي الآن، بل كما كانت عليه من قبل، وبالتالي فإنهم يسقطون المعاني والانفعالات في غير محلها، فمعنى الأمانات يستمر بغض النظر عن خراب هذه المؤسسات وتدهورها.

كل هذا مدعاة للتأمل في المستقبل الثقافي للوطن، وللتواضع أقول إن هذا مدعاة للتأمل في حاضر ليبيا فحسب وباختصار ثمة مبررات كافية للخوف على دور ليبيا في ظل النظام العالمي الجديد. إذ أن حلقة الوعي بما يدور في العالم تكاد تكون ضيقة إلى درجة الاختناق.

بل أن هذا البلد أصبح بلا دور تقريبا مع غياب أي مشروع نهضوي ثقافي يستطيع أن يصوغه لنفسه وللآخر (للعالم). والمذهل حقا أن ثقافة ما قبل 1969م، عادت في شكلها السلفي.

فلا شىء تقيمه الثقافة الليبية إلا وكان محاكاة لما كان يجري قبل 1969م، وبهذا المعنى أصبحت تشوب حركة الثقافة أزمة نستالجيا” (الحنين إلى الماضي)، بل أزمة هوية، وشعور بالذنب تجاه ما فرطت به خلال هذه المدة، ولذلك فهي تسعى لتنصيب صورة خرافية عن معارك وملاحم وهمية تمجد وتبجل من خلال الشعر الشعبي.

وبعض النظر عن صحة هذه الملاحم فنحن كمواطنين نشعر أن التغني فحسب بمجد إنما في إطار عادة عربية سيئة قد يعني أحيانا الموت نفسه أو على الأقل القليل التفسخ والإنحطاط.

إن البؤس الذي نستشرفه لمستقبل هذه الثقافة المرتكزة على الماضي ليس متأتيا من نزعة الحنين إلى الماضي، بل أيضا مما أصاب هذا الوطن من عزلة ثقافية وفكرية، وتهميشه في صياغة مشروع غريب إسمه الجماهيرية العظمىالتي أصبحت بـ عظمتهاليست في حاجة للتفاعل الثقافي والانفتاح على الغير!!

إذ إن انجازات الثقافة والفكر في صياغة دولة مفتوحة وجمهور معلمن معقلن، وعادات وتقاليد مدنية، ثم تجاوزها، أو على الأحرى نسيانها مع قيام ثقافة المثابات الثوريةالتي هي في أحسن ألاحوال اقتسام جهوي عشائري، واكتساح بدائي للمدنية.

لقد تدهور التعليم وتدهورت تبعا لذلك بقية المؤسسات، تبدل الجمهور ورحلت أوشكت على الرحيل النخبة المثقفة، وهاجرت الأدمغة وأضمحلت الطبقة النزيهة كحبة سكر ذابت في فنجان شاي ساخن، وأصبح المثقفون شريحة معزولة ومنعزلة وعزلاء لا تقوى على الاعتراض أو الرؤية في ظل نظام يتجه حثيثا إلى درجات أعلى من القمع الفكري والتعمية والتعتيم وتأميم الثقافة وتفتيت النيسج المدني المتعلم.

هذه الشريحة البسيطة تسلل إليها القرف والغثيان من الأدب الوقور الذي يهمس على الساحة وحيدا مثل ديك رومي، أو سلطة مستبدة ما زالت تعتمد أسلوبا فاشلا من أساسه في فرض الوصاية واختيار الكتاب للناس، ولا تريد أن تقتنع بفشل أسلوبها، والاعتراف بأن المجتمع يعيش فسادا وقمعا وأن الفجور الأخلاقي الذي يجد في الكتاب متنفسا، هو رد فعل على مغامرات أخرى تحصل على حسابه وحساب الآخرين، ويُمارَس في السِّرّ والعلانية!!

في السِّرّ ممن لا يملكون القوة لإظهاره مع شغفهم به، وفي العلانية ممن فرضوا سياسة الوصاية على الناس، وسلكوا وسائل العنف والإرهاب للإبقاء عليها.

وصادف كل هذا زمن غياب المؤسسات والجمود الفكري المفروض على التفكير بقوة الرقابة، إلى حين الصحوة المرتقبة للتغيير والإصلاح بإذن الله تعالى.

______________

المصدر: مجلة شؤون ليبيةـ خريف 1997م

مواد ذات علاقة