حسابات بنكية وأدوار سياسية لمقرب من القذافي
تحقيق محمد أبوالغيط و فريق مشروع تغطية الجريمة المنظمة والفساد

جوازات سفر متعددة
منح الرئيس المصري الراحل أنور السادات أسرة طاطاناكي جوازات سفر مصرية، وقال مصدر ليبي على صلة بالأسرة لـ“العربي الجديد” إن علاقتها تعمقت بالسلطات المصرية، بعد صلة نسب مع أسرة المشير أبوغزالة في الثمانينيات، حين تزوج نجله بابنة رجل الأعمال الليبي حسن سفراكس، قريب أسرة طاطاناكي من جهة الأم.
وتكشف برقية رسمية صادرة عن وزارة الخارجية الأميركية عام 2003، نشرها موقع ويكيليكس، عن استلام طلب تأشيرة من طاطاناكي للسفر إلى الولايات المتحدة مع وفد من الإمارات العربية المتحدة.
وحسب البرقية، قدم طاطاناكي جواز سفر برازيلي، وقال أيضاً إنه يحمل جوازات سفر ليبية ومصرية وتركية، لكن السلطات الأميركية وجدت أن جواز السفر البرازيلي “مزور“، وكذلك لا يوجد سجل للجواز التركي.
حمل طاطاناكي جوازات سفر متعددة وحظي بعلاقات عربية مؤثرة، كما أشارت البرقية إلى أن طاطاناكي فقد في بغداد جواز سفر دبلوماسي إماراتي في 2001، وأن تلك الحالة “توضح استمرار المشاكل المرتبطة بإصدار جوازات سفر إماراتية لغير الإماراتيين“.
وفي حديثه لفريق التحقيق، أكد طاطاناكي صحة معلومة عن أنه كان يحمل جوازات سفر من هذه الدول، وأضاف أنه حمل لمدة جواز سفر سودانيا، لكنه نفى أن يكون أي من جوازاته مزورا. وقال إنه حصل على تلك الجوازات بهدف تسهيل السفر لممارسة أعماله.
أين ذهبت أموال الأردن؟
انشغل الرأي العام الأردني والكويتي، في عام 2004، بأنباء كشف تفاصيل منحة نفطية، كان الكويت قد اتفق على تقديمها للأردن، وتقدر المنحة بـ 25 ألف برميل من النفط يومياً لمدة عام، للمساعدة في تعويض غياب النفط العراقي بعد الغزو الأميركي.
ونشر البرلماني الكويتي أحمد السعدون، في يونيو من العام ذاته، مراسلات بين وزير النفط الكويتي ورئيس الوزراء الأردني، كشفت أن المملكة لن تستخدم النفط مباشرة، بل سيباع في الأسواق الدولية، وفسر مسؤولون أردنيون لاحقا هذا الإجراء بأن نوع النفط الخام الكويتي أثقل مما يمكن تكريره في الأردن.
لكن الوثائق والمراسلات التي تضمنها استجواب البرلماني السعدون، كشفت أن قيمة النفط لن تودع في البنك المركزي الأردني، بل سيجرى تحويلها إلى الحساب الأميركي لشركة تسمى “فري ماركت بتروليوم“، وهنا يظهر اسم طاطاناكي، إذ طلب رئيس الوزراء الأردني آنذاك فيصل الفايز من الوزير الكويتي استقبال وفد من تلك الشركة يرأسه حسن طاطاناكي لإتمام الاتفاق.
وباعتبار أن سعر النفط وقتها كان نحو 30 دولاراً للبرميل، فإن قيمة المنحة تبلغ نحو 273 مليون دولار. وقتها قال النائب مسلم البراك في تصريحات صحافية نشرتها وسائط محلية: “هل يعقل أن تصبح مؤسسة البترول وسيطا لبيع النفط للأردن وتحويل مبالغ المنحة لصاحب شركة تركي؟ (يقصد طاطاناكي)”.
ورغم أن مراسلة أخرى بتاريخ 20 إبريل/نيسان من الأمين العام لمجلس الوزراء الكويتي إلى وزير الطاقة الكويتي أظهرت موافقة المجلس على الطلب الأردني، فإن مراسلة ثالثة بتاريخ 2 مايو من العضو المنتدب للتسويق بالوكالة في مؤسسة البترول الكويتية موجهة إلى وزير الطاقة قالت: “نود أن نفيد معاليكم بأن الاقتراح الذي ورد في كتاب معالي دولة رئيس وزراء الأردن والخاص بالاتفاق مع الشركة المذكورة في كتابه أعلاه، سيثير كثيرا من التساؤلات والتأويلات التي ستكون لها آثار عكسية وسلبية. وعليه، نقترح أن يتم تحويل العائدات المالية مباشرة الى البنك المركزي الأردني“.
وطلب أعضاء في البرلمان الأردني من حكومة الفايز معرفة سبب تحويل قيمة المنحة إلى شركة خاصة، ثم تلاشت الأخبار، من دون تفسير واضح، من الوسائط الإعلامية في البلدين.
وعلق وزير المالية الأردني وقتها محمود أبو حمور، في تصريح مقتضب لوكالة الأنباء الرسمية، قائلا: “عائدات بيع أي شحنة نفط تقدم للأردن، ولا يمكن تكريرها في مصفاة البترول الاردنية، ستحول إلى البنك المركزي الأردني الذي يقوم بدوره بتحويلها الى الخزينة العامة“.
لكن طاطاناكي أخبر معدي التحقيق أن الصفقة كانت تهدف للمساعدة في بيع النفط لصالح الأردن، وأنها لم تكتمل قط. وتابع :”لم أكلف نفسي عناء الرد على هذه الاتهامات غير المبررة“، مشيراَ إلى أن الشركة في النهاية كانت “مضيعة للمال” لأنه لم يتم تنفيذ صفقات فعلية.
ورغم تلك الأنباء التي تستدعي تفعيل عمل دائرة الامتثال بحسب مصادر التحقيق، استمرت تعاملات طاطاناكي مع “كريدي سويس“، وفتح حسابين عام 2006، كما فتح حساب آخر في 2009 مع اثنين من أقاربه.
وتم إغلاق العديد من حسابات طاطاناكي في بنك كريدي سويس عام 2012، لكن حسابين اثنين على الأقل بقيا مفتوحين خلال العقد الأخير، حسب بيانات مشروع “أسرار سويسرية“.
من عمان إلى كراكاس
على الجانب الآخر من الكرة الارضية، أثارت تعاملات “فري ماركت بتروليوم” ذات الجدل، بسبب صفقة بيع نفط نيابة عن شركة النفط الفنزويلية الحكومية بتروليوس دي فنزويلا، وبموجب اتفاق مدته ثلاث سنوات تم توقيعه في يناير عام 2003، كان من المقرر أن تبيع الشركة 50 ألف برميل يومياً إلى احتياطي النفط الاستراتيجي الأميركي، بإجمالي 54 مليون برميل.
وأثار الاتفاق، الذي تبلغ قيمته نحو مليار دولار، شكوك معارضين فنزويليين وسياسيين أميركيين لأسباب منها أن شركة النفط الحكومية الفنزويلية تتعامل عادة مباشرة مع المشترين، وليس عبر وسطاء، فضلاً عن أنه لم يكن لدى شركة “فري ماركت” سجل أعمال سابق.
أيضاً تظهر مسودة العقد المسربة عبر معارضين فنزويليين أن “فري ماركت بتروليوم” ستحصل على النفط بسعر يقل 2.50 دولار للبرميل عن السعر الخاص بالشركة الحكومية الفنزويلية، كما ينص بند في العقد على حقها في بيع النفط لمشترين آخرين غير الاحتياطي الأميركي بعد موافقة الشركة الفنزويلية.
كان الممثل الفنزويلي في الصفقة وزير الطاقة الأسبق رافائيل راميريز، الذي وجد تحقيق بالكونغرس عام 2016 أنه مسؤول عن فساد ومخالفات بلغت نحو 11 مليار دولار.
وجذبت الصفقة الانتباه أيضًا بسبب تورط جاك كيمب، وزير الإسكان بإدارة الرئيس بوش الأب، الذي كان مرشحاً لمنصب نائب الرئيس مع المرشح الرئاسي الجمهوري بوب دول عام 1996.
وأظهر العقد اسم كيمب ممثلاً لشركة “فري ماركت“، مع المحامي الأميركي ويليام هيكمان، ورجل الأعمال الفنزويلي أرتورو سارمينتو.
ومرة ثانية، نفى طاطانكي وجود أي مخالفات في الصفقة التي قال إنها لم تنفذ قط، مضيفاً أن فنزويلا لم تكن وقتها تحت العقوبات.
لكن العقد لا يبدو قانونيًا بموجب قانون النفط الفنزويلي (وقتها)، إذ “نصت المادة 57 من قانون المواد الهيدروكربونية في فنزويلا – الذي أقرته حكومة هوغو تشافيز، على أن شركة Petroleos de Venezuela (PDVSA) والشركات التابعة لها فقط، هي التي يمكنها تسويق النفط الخام الفنزويلي … لم يتم تعديل القانون ، ويمكن الطعن في العقد – أمام محكمة فنزويلية“.
***
ينشر التحقيق بموجب تعاون بين مؤسستي “العربي الجديد” و“مشروع تغطية الجريمة المنظمة والفساد العابر للحدود“.
___________