في العلاقة الليبية المصرية

في هذه الورقة نحاول أن نضع تصور للسيناريوهات المتوقعة في المشهد السياسي الليبي نتيجة هذا الصراع المصري التركي.

الجزء الثالث

أزمة الاقتصاد المصري

كما اشرنا هناك دوافع اقتصادية تحرك السياسة المصرية تجاه ليبيا ، لمصر مصالح اقتصادية في ليبيا خاصة في ظل ما تعانيه مصر من مشكلات اقتصادية تجعلها بحاجة الى الاستفادة من ثروة ليبيا والفرص التي يوفرها الاقتصاد الليبي .

في مقال نشره وزير الاستثمار المصري الأسبق يحيى حامد  في مجلة فورين بوليسي تحدث فيه عن انهيار الاقتصاد المصري، سنجد كثيرا من الحقائق عن الاقتصاد المصري والأزمة التي يعاني منها .

وقال حامد :  إذا ما استمر الوضع الحالي في الاتجاه نفسه، فإن مصر سرعان ما ستفلس ، مؤكدا أن فرضية صندوق النقد الدولي  التي تعتمد على أن زيادة النمو إلى أقصى حد وتقليص العجز إلى أدنى مستوى، سيفضي إلى أفضل النتائج الممكنة بالنسبة للبلد ولمن يعيشون فيه  تمثل فرضية غاية في السذاجة.
يحيى  حامد عن  التفاقم المتزايد في أزمة المديونية المصرية  خلال الأعوام  الست الماضية، والتي وصلت إلى 96 مليار دولار دينا خارجيا  في نهاية عام  2018م ،  و4.1 تريليون جنيه  دينا محليا  في ديسمبر عام 2018م  أي بزيادة 53 مليار دولار في حجم الدين الخارجي، و2.7تريليون جنيه في حجم الدين المحلي، مقارنة بشهر  يونيو عام  2013م .

واعتبر يحيى حامد أن هذه الزيادة الكبيرة في حجم المديونية المصرية خلال أعوام  قليلة، تهدد الاقتصاد بالإفلاس، إذا استمرت على هذا النحو، خاصة مع استحواذ أعباء الديون (فوائد+أقساطعلى نحو 83%  من إجمالي الإيرادات العامة في موازنة 2019/ 2020  وزيادة معدلات الفقر إلى 60% وفقا لتقرير البنك الدولي.

ووفقا لمعايير الاتحاد الأوروبي  تتراوح الحدود الآمنة لنسبة الديون المحلية من الناتج المحلي الإجمالي بين 65 و75 % ، وفي مصر تجاوزت الديون المحلية نسبة 100%  من الناتج المحلي، وتستهدف الحكومة تخفيض تلك النسبة خلال الفترة المقبلة، وسط شكوك في قدرتها على ذلك خلال وقت قصير في ظل التوجه الحكومي بإعادة تدوير القروض.

إن الانتقادات كثيرة لأداء الاقتصاد المصري ، والأزمة ليست خافية على احد مهما حاول النظام المصري إخفائها . في مقالة للخبير الاقتصادي المصري مصطفى عبد السلام نشرت في صحيفة العربي الجديد بتاريخ 3 يناير عام 2019م  نجد حقائق مهمة عن وضع  الاقتصاد المصري .

فيما يتعلق بالاحتياطي الأجنبي فإننا أمام رقم يقول إن قيمته بلغت 44.5 مليار دولار بنهاية شهر نوفمبر عام  2018م ،  وهو رقم مريح للاقتصاد المصري  سواء على مستوى سداد أقساط وأعباء الديون الخارجية، أو سداد فاتورة الواردات، أو صد أي عمليات مضاربة تستهدف العملة المصرية.

لكن في المقابل يظلّ رقم الاحتياطي غير حقيقي بل قد يساوي الرقم الحقيقي نحو 16 مليار دولار فقط ، لأن الجزء الأكبر من الاحتياطي عبارة عن قروض خارجية، ويجب أن تخصم من الرقم قيمة الالتزامات المستحقة على البنك المركزي من ديون وودائع مساندة وسندات وغيرها.

وحسب أرقام البنك المركزي نفسه فإن صافي الأصول الأجنبية لديه تراجع إلى 15.361 مليار دولار بنهاية شهر نوفمبر عام  2018 م مقابل15.994 مليار دولار بنهاية أكتوبر ، وجاء التراجع نتيجة ارتفاع الالتزامات على البنك المركزي بالعملات الأجنبية إلى 28.314 مليار دولار بنهاية نوفمبر مقابل 27.676 مليار دولار بنهاية أكتوبر.

وإذا ما خصمنا حجم الالتزامات على البنك المركزي من رقم الاحتياطي فإن الرقم يتراجع لأقل من النصف، بل ويتراجع لأقل من ذلك إذا ما خصمنا منه قيمة الذهب المدرج ضمن الاحتياطي .

وحسب توقعات المجموعة المالية هيرميس وهي من أكبر بنوك الاستثمار في المنطقة، فإن الديون الخارجية لمصر سترتفع بنحو 10مليارات دولار في عام 2019م ،  كما توقع بنك الاستثمار بلتون في تقريره السنوي أن يواصل الدين الخارجي ارتفاعه ليصل إلى 107 مليارات دولار بنهاية العام المالي الحالي، مقابل 92 مليار دولار في العام المالي السابق، لتمويل فجوة تمويلية تبلغ 11.3 مليار دولار.

وربما يتجاوز الاقتراض الخارجي خلال العام الجاري رقم هيرمس مع إعلان الحكومة عن اقتراض مليارات دولار في الربع الأول من العام الجاري، والحصول على شريحتين من قرض صندوق النقد الدولي بقيمة مليارات دولار في يناير  ويوليو ، بالإضافة إلى القرض السعودي المخصص لتمويل شراء لمشتقات البترولية، وكذا الحصول على قروض مباشرة من البنك الدولي والبنك الإسلامي للتنمية وصناديق عربية وغيرها.

مع زيادة القروض الخارجية للبلاد فإن الإيرادات العامة تصبح رهينة للمؤسسات المالية الدولية، وبدلاً من أن توجه إيرادات الدولة لتمويل مشروعات خدمية واستثمارية تعود بالنفع على المواطن والاقتصاد، فإنها توجّه لسداد أعباء الديون ومستحقات الدائنين، وهنا يتم تخيير المواطن بين سداد هذه الأعباء أو خفض الأسعار وبناء المدارس.

بدءاً من منتصف العام الماضي يسجل مستوى صافي الأصول الأجنبية للقطاع المصرفي المصري عجزاً متواصلاً كما كان عليه الحال قبل تعويم الجنيه المصري في نوفمبر عام  2016م ، وتشير الأرقام إلى أن البنوك غطت خروج نحو مليارات دولار من استثمارات الأجانب  خلال الأشهر الأخيرة، وهو ما أدى إلى عجز في أصولها الأجنبية بقيمة 3.9 مليار دولار في سبتمبر فقط .

وبنظرة لأرقام البنك المركزي نجد أن البنوك حققت عجزاً متواصلاً طوال 16 شهراً منذ نوفمبر عام  2015م  وحتى إبريل عام  2017 ملأسباب تتعلّق بخروج نحو 11 مليار دولار أموالاً ساخنة من السوق المصرية في الفترة من مارس وحتى نوفمبر الماضيين.

وبنظرة لأحدث أرقام صادرة عن البنك المركزي المصري نجد أن عجز الأصول الأجنبية لدى البنوك ارتفع بشكل متواصل  ليصل إلى 7.322مليارات دولار  نهاية نوفمبر الماضي مقابل نحو 5.5 مليارات دولار بنهاية أكتوبر، بزيادة مليار دولار 1.822.

ومقابل العجز في الأصول لم تستطع البنوك جذب موارد دولارية ضخمة من عملائها لتغطيته، فقد سجلت ودائع العملات الأجنبية بالبنوك نحو 40.939 مليار دولار بنهاية نوفمبر مقابل 40.892 مليار دولار بنهاية أكتوبر ، بزيادة 47 مليون دولار فقط.

وهذا الرقم يقلّ عن أسعار الفائدة الممنوحة على هذه الودائع، أي أن الودائع الدولارية تتناقص، بل وأظهر تقرير حديث للبنك المركزي تراجع الودائع الجارية بالعملات الأجنبية لتسجل 8.176مليارات دولار مقابل 8.264 مليارات بنهاية أكتوبر.

ورغم زيادة الاقتراض المحلي والخارجي وارتفاع الإيرادات العامة وفرض الحكومة مزيداً من الضرائب والرسوم ووعود متواصلة بخفض هذا العجز إلا أن الأرقام تشير إلى أن العجز يتفاقم يوماً بعد يوم.

مثلاً توقع بنك الاستثمار بلتون مؤخراً ارتفاع فاتورة خدمة الدين لتبلغ 631مليار جنيه في العام المالي الحالي، وهو ما يشكّل عبئاً شديداً على إيرادات الدولة، نظراً لارتفاعه بنحو 193 مليار جنيه عن العام الماضي، وزيادته عن المبلغ المقرر في الموازنة العامة عند 541 مليار جنيه.

وكشف تقرير الأداء المالي للموازنة العامة المصرية  عن زيادة الإنفاق على فوائد الديون لتصل إلى 178.2 مليار جنيه “9.9 مليارات دولار، خلال الفترة من أول يوليو  وحتى نهاية نوفمبر من عام 2018م .

وهنا يصبح هدف خفض عجز الميزانية بشكل عام والذي وعدت به الحكومات مرات أمر صعب المنال، وتصبح إيرادات الموازنة رهينة للديون لا لخدمة المواطن. على الرغم من تراجع معدل التضخم السنوي إلى 15.6% خلال شهر نوفمبر الماضي.

إلا أن المعدل لا يزال أعلى من معدل ما قبل تعويم الجنيه المصري في نوفمبر عام  2016م ،  ويشكل التضخم الحالي تحديا أمام صانع السياسة النقدية والمالية والاقتصادية، فهو لا يشجع على خفض أسعار الفائدة وخفض الدين العام، ولا يشجع على جذب استثمارات خارجية.

 الحدود الليبية المصرية. نوايا التوسع  والتمدد غربا

يفترض بان الحدود الليبية المصرية قد حسم امرها وفق اتفاقية عام 1925م التي وقعتها كلا من بريطانيا وايطاليا ، الا أن بعض رموز النخبة المصرية يرفضون تلك الاتفاقية ويعتبرونها مجحفة في حق مصر ، وأنها تمثل تواطؤ بريطاني ايطاليا اضر بمصر .

وبغض النظر عن اتفاقية 1925م وكل الاتفاقيات الموقعة بين ليبيا ومصر بشأن ترسيم الحدود ، وبغض النظر عن الطابع السياسي لمسالة الحدود ، فإننا نرى بان إثارة الأشقاء في مصر لقضية الحدود ألان تخفي ورائها أطماع في الأراضي الليبية ذات بعد اقتصادي .

أي أن الأشقاء في مصر يريدون تعديل الحدود والتوسع والتمدد  غربا بدوافع اقتصادية للاستفادة من ثروات ليبيا .

خريطة الحدود الليبية المصرية

يتضح من خلال الخريطة موقع مدينة الجغبوب ، وأيضا ميناء  البردي على البحر المتوسط التي تتحدث هاديدي فاروق عنه ، وعن ارتباطه بممر ارضي يصل  إلى .السلوم

وفي حوارها مع الوطن قالت المستشارة هايدي فاروق عبدالحميد :

أنه خلافا للزعم المتواتر القائل بأننا تنازلنا عن كامل واحتنا المصريةالجغبوب، بموجب اتفاق تم بين كل من بريطانيا وإيطاليا، فإن الوثائق التي توصلت إليها تكشف، لأول مرة بالدليل القاطع، أن خط الحدودالغربي لمصر قد اتُفق عليه، بشكل نهائي مؤرخ في السادس من ديسمبر عام 1925م بين مصر وإيطاليا، ويقضي بمرور خط الحدود بتلكالواحة، بعد أن تنازلت مصر لليبيا عن القسم الغربي منها، نظير تنازل ليبيا لمصر عن بئر الرملة، المعروف الآن بميناء بردية، وممر أرضي يكفي لإيصال الرملة بشمال السلوم “.

وقالت الخبيرة المصرية

“إن هذه الأرض تحديدا هي التي كانت وراء موافقتنا على التنازل عن جزء غير يسير من واحة الجغبوب، ومع ذلك فإن الأرض التي من المفترض أننا تسلمناها من ليبيا شمال بئر الرملة نظير تنازلنا عما يساوي نحو ثلثي مساحة الجغبوب الغنية بالبترول، قد أُخذتمنا وضُمت إلى الشمال الليبي، فلا نحن احتفظنا بواحتنا المصرية الجغبوب، ولا نحن احتفظنا بما أعطته لنا ليبيا نظير هذا التنازل، على حدوصفها

 في يوليو عام 2018م رفع محامي مصري اسمه علي أيوب قضية أمام المحاكم المصرية للمطالبة بإعادة مدينة الجغبوب الى مصر .

***

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

______________________

مواد ذات علاقة