بقلم آنا بورشفسكايا و كاثرين كليفلاند


تُعتبر منطقة الشرق الأوسط رابطة موسّعة للنفوذ الروسي، مما يشكل تحد للاستقرار الإقليمي والمصالح الأمريكية على حد سواء.
وفي ضوء ذلك، يصبح الفهم الدقيق لخفايا استراتيجيات موسكو، بما فيها التلاعب بالمعلومات، أمراً حيوياً.
الجزء الأول
على الرغم من تركيز العديد من الدراسات الممتازة على جهود التضليل التي يمارسها الكرملين في الغرب، إلا أن القليل منها ركز بعمق على دراسة جهوده باللغة العربية.
وفي الواقع، فيما يتعلق بجهود الدعاية الروسية، يبدو من نواحٍ عديدة أنه تم إعطاء الأولوية للجماهير الناطقة بالعربية وتفضيلها على العديد من الجماهير الغربية.
وتستكشف هذه الدراسة التكتيكات التي تستخدمها موسكو للوصول إلى جمهورها المستهدف، بتركيزها بشكل أساسي على موقعي “روسيا اليوم العربية” و“سبوتنيك عربي“.
وتعتمد كلتا الوسيلتين الإعلاميتين بشكل كبير على وسائل التواصل الاجتماعي، الأمر الذي يدل على الكيفية التي استغل بموجبها الكرملين زيادة عدد الشباب الناطق بالعربية لوضع الأساس لتأثير طويل المدى.
وقدّمت التطورات في المشهد الإعلامي في الشرق الأوسط أرضاً خصبة لهذا التأثير. بالإضافة إلى ذلك، يوفر موقعا “روسيا اليوم” و“سبوتنيك” تغطية كبيرة للقضايا الرئيسية في المنطقة في سوريا وإيران ومصر وإسرائيل والخليج والغرب، إلى جانب سياسات روسيا الداخلية.
وتبحث هذه الدراسة تغطية كل مجال من هذه المجالات، وتنتهي بتوصيات في مجال السياسة العامة.
يشكل التلاعب بالمعلومات إحدى أهم أدوات السياسة الخارجية التي تستخدمها روسيا من أجل المضي قدماً في تطبيق أجندتها المعادية للغرب. ويصف ديمتري كيسليوف الصحافة، وهو أحد أبرز مروّجي الدعاية في الكرملين، على أنها تكتيك حربي: “إذا استطعت إقناع شخص ما، ليس عليك قتله. فلنفكر بما هو أفضل: القتل أو الإقناع؟ لأنك إذا عجزت عن الإقناع، عندها سيتوجب عليك القتل“.
لقد أصبح الشرق ساحة متنامية لنفوذ موسكو، وقد استثمر الكرملين بشكل كبير ودائم من أجل الوصول إلى الجمهور الناطق باللغة العربية. وبالفعل، تكرّس موسكو المزيد من الموارد للوصول إلى العالم النامي، وبشكل خاص الناطقين باللغة الإسبانية وكذلك العربية، أكثر منه للوصول إلى الجمهور الغربي.
فضلا عن ذلك، وفي حين يتراجع عدد إجمالي سكان روسيا، تشهد الأقلية المسلمة الكبيرة فيها نمواً. وقد عزّز هذا التغيير الديموغرافي حاجة موسكو إلى الإنخراط في الشرق الأوسط، وهو تطوّر اضطلعت فيه وسائل الإعلام بدور أساسي.
ويزوّد مشهد وسائل الإعلام في الشرق الأوسط الدولة الروسية بفرص فريدة. فهذه المنطقة التي تمتلك وسائل إعلام تسيطر عليها الدولة وأخرى مستقلة ضعيفة إضافة إلى اعتماد متنام على وسائل التواصل الاجتماعي ـ إلى جانب تاريخ من الشك في مصادر الأخبار الغربية ـ قد خلقت فرصاً مفيدة يستغلها الكرملين من أجل المضي قدما في أجندته. وتقدّم روسيا وسائل إعلامها الخاصة كبديل أفضل للشبكات الأخرى الناطقة بالعربية، كما لديها جمهور أكثر تقبلاً في المنطقة مما هو في الغرب.
واليوم، يعتبر “روسيا اليوم” و “سبوتنيك عربي” أبرز وسيلتين إعلاميتين لنفوذ موسكو من حيث الدعاية. ويظهر تحليل هذين الموقعين استمرارية أهداف الدعاية التقليدية للكرملين من جهة، واعتماد وسائل تمّ اختبارها من أجل هذه الأهداف من جهة أخرى.
وتطوّر هذه الوسائل صورةً لموسكو كقوة عظمى في الشرق الأوسط وتركز بشكل هائل على مواقع التواصل الاجتماعي. كما أنها تقدّم، وبشكل لا يدعو للمفاجأة ، أيديولوجيا انقسامية وتآمرية ومعادية للغرب. غير أن تحقيقاً أعمق يظهر مقاربة مختلفة على نحو أكبر ترمي إلى بناء مصداقية مع الجمهور العربي من خلال تغطية مسائل محلية وذات أهمية إنسانية ـ وخاصة في مصر ـ ومن خلال جهود إقامة علاقات مع وسائل إعلام محلية وإقليمية أخرى.
وفي حين تكتسب هذه العملية الإعلامية الممولة من الكرملين زخما ومشاهدين على المستوى المحلي، تطرح على نحو متزايد تحدياً ـ أمام مصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط:
ـ لقد انسحبت الولايات المتحدة بشكل مطرد من الشرق الأوسط خلال السنوات القليلة الماضية، وقد تقدمت روسيا برئاسة بوتين لملئ هذا الشغور. ويتنامى نفوذ موسكو في المنطقة من خلال مساعي القوة المتشددة والناعمة على السواء. ومن بين أدوات السياسة الخارجية المتعددة التي يستخدمها الكرملين من أجل تطبيق أجندته المعادية للغرب هي التلاعب بالمعلومات.
ـ لقد استثمر الكرملين بشكل كبير ودائم من أجل الوصول إلى الجمهور الناطق باللغة العربية، مانحاً الأولوية إلى منطقة الشرق الأوسط بدلا من الغرب باعتبارها نقطة تركيز مساعيه الدعائية العلنية.
ـ يقدم مشهد وسائل الإعلام في الشرق الأوسط فرصاً فريدة وأرضاً خصبة يمكن لروسيا استغلالها وخاصة من خلال قنواتها الإعلامية العربية لصالح “روسيا اليوم” و “سبوتنيك“.
ـ يستثمر الكرملين بشكل كبير في وسائل الإعلام الناطقة بالعربية، بما أن الجمهور العربي ـ لا سيما القاعدة الشعبية الكبيرة من الشباب في المنطقة ـ يعتمد على نحو متزايد على هذه المصادر للأخبار. وتشير هذه المقاربة إلى أن الكرملين يستثمر في إعداد جمهوره لاحتمال استغلاله على المدى الطويل.
ـ يعزّز موقعا “روسيا اليوم” و “سبوتنيك” نظريات الشك والمؤامرة القائمة في أوساط متابعي الأخبار مع تقديمهما في الوقت نفسه تقارير دقيقة لبناء المصداقية، ولهذه الغاية، تركز العديد من الروايات على القضايا المحلية وذات الأهمية الانسانية. وتعدّل هذه الوسائل الإعلامية لهجتها وفقاً للجمهور مع الحفاظ على موقف معادي للغرب كمبدأ موحد.
ـ إلى جانب السياسة الروسية المحلية، يقدم موقعا “روسيا اليوم” و “سبوتنيك” تغطية أساسية لأبرز القضايا الإقليمية في روسيا وإيران ومصر وإسرائيل والخليج والغرب.
ـ يتجاوز على الأرجح الاهتمام الروسي في رسم معالم رسائل وسائل الإعلام الناطقة بالعربية كُلاً من “روسيا اليوم” و “سبوتنيك” ليطال شبكة الإنترنت الأشمل، حيث تقيم موسكو شراكة في قضايا محددة، على غرار مصر، مع وسائل إعلام حكومية محلية.
يذكر أن “روسيا اليوم” الإنجليزية هي وسيلة الدعاية الرائدة في موسكو لبلوغ الجمهور في الخارج. وتمّ إطلاقها رسميا في ديسمبر 2005 كجزء من وكالة الأنباء “ريا نوفوستي” التابعة للدولة. وإذ يقع مقرها الرئيسي في موسكو، تنتهج “روسيا اليوم” شعار “إسأل أكثر“، مما يعبر عن هدفها في تقويض الغرب من خلال التضليل عبر زرع بذور الإرتباك والشك.
وتعتمد استراتيجية الرأي في “روسيا اليوم” على فكرة عدم وجود حقيقة موضوعية. ففي هذا السياق، قال فلاديمير بوتين في مقابلة أجريت معه بعد بضع سنوات “حين صممنا مشروع “روسيا اليوم” هذا في عام 2005ن كنا نعتزم طرح لاعب قوي آخر في الساحة العالمية… وأيضا كنا نحاول، ودعوني أشدد على هذه النقطة، أعني ـ نحاول خرق الاحتكار الأنكلوسكسوني على مسارات المعلمومات العالمية“
وقد بدأت “روسيا اليوم” البث باللغة العربية كتلفزيون “روسيا اليوم” في الرابع “من مايو 2007، وغيرت اسمها إلى “روسيا اليوم العربية. وأعقبها “روسيا اليوم الأسبانية” في 2009 من ثم “روسيا اليوم أمريكا” في 2010 و “روسيا اليوم الروسية” في 2011 وكل من “روسيا اليوم بريطانيا” و “روسيا اليوم الفرنسية” و “”روسيا اليوم الألمانية” في 2010 وبعدها “روسيا اليوم الصينية” في 2015.
ويظهر هذا الاختيار لـ “روسيا اليوم” أن تكون لغة بثها بعد الإنجليزية هي العربية، ومن ثم الإسبانية التركيز المبكر الذي وضعه الكرملين على التواصل مع الشرق الأوسط.
وتربط سلسلة مشتركة من الميول المعادية لأمريكا كافة تقارير “روسيا اليوم“، لكن البرنامج يعد رسائله أيضا بما يتماشى مع الجماهير الفردية. وكما شرح الخبيران في الكرملين روبرت أوتنغ و إليزابيث نلسون، “من خلال فصل الجمهور إلى فئات لغوية، تفصل روسيا اليوم بشكل طبيعي أولوياتها لكل جمهور من خلال رسائلها المختلفة المستمرة في كل قناة“.
وحاليا، تتوافر “روسيا اليوم العربية” في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عبر إشارة القمر الصناعي الخاصة بها. لكن الاهم هو أن القناة متوافرة عالميا عبر الإنترنت وناشطة للغاية عبر “تويتر” و “يوتيوب” و “فيسبوك“. كما أن مراسلي “روسيا اليوم العربية” متواجدين على الأرض في المنطقة، حيث تم أرسالهم إلى مصر والأراضي الفلسطينية وإسرائيل ولبنان وكذلك في الولايات المتحدة وبريطانيا.
أما خدمة أخبار “سبوتنيك“، فهي أحدث وأقل شهرة وانتشاراً من “روسيا اليوم“. يذكر أن “سبوتنيك“، التي تمّ إطلاقها في نوفمبر 2014 ويقع مقرها الرئيسي في موسكو، تعود ملكيتها إلى شبكة “روسيا اليوم” (وهي في الظاهر الشكرة الأم من “ريا نوفوستي” و “سبوتنيك” رغم أنها تحمل الاسم نفسه بالروسية كرمز “روسيا اليوم” الأصلي).
وإذ تقدّم خدماتها بأكثر من ثلاثين لغة، تبث “سبوتنيك” الأخبار عبر موقعها الإلكتروني وتشمل بثاً إذاعيا وخدمة الحبر السريع. وفي الوصف الخاص للشبكة، لديها أكثر من ثمانين كاتب لغتهم الأم هي العربية ويعملون في أكثر من خمسين دولة. ووفقاً لموقع “يبوتنيك” الإلكتروني، تقدّم خدمة وكالة الأنباء أيضا قنوات خدمات إعلامية متعددة عبر حاسوب بروتوكول نقل الملفات، ومحطة إخبارية عبر الإنترنت، وبريد إلكتروني.
وتصرف “روسيا اليوم” حوالي 80% من نققاتها في الخارج ـ في مؤشر آخر على الأهمية التي توليها موسكو إلى الوصول إلى جمهور أجنبي. وكانت قيمة الروبل قد تراجعت بشكل كبير خلال السنوات الماضية، وهي مسألة مهمة عند تقييم نفقات “روسيا اليوم“.
ففي عام 2015، وبعد ضم روسيا لجزيرة القرم وتدخلها الوشيك في سوريا، زادت روسيا ميزانية “روسيا اليوم” بأكثر من الضعفين إلى نحو 300 مليون دولار، ولا تزال توفر هذه الميزانية حاليا تقريبا. وتشير دراسة أخرى إلى رقم 236 مليون دولار ولكنها تشدّد على أنه “تمت مراجعة” هذا الرقم “بشكل مستمر ولم يتم الإبلاغ عن جميع التمويل“.
ووفقا للدراسة نفسها، في عام 2014 ـ وهو العام الذي ضمّت فيه موسكو جزيرة القرم إلى أراضيها ـ بلغت ميزانية “روسيا اليوم” ذروتها بمبلغ 445 مليون دولار. وبغض النظر عن الاختلافات الطفيفة في أرقام الميزانية المتوافرة، وإذا ما قبلنا واقع أنه لم يتمّ عن كامل عمليات التمويل، فمن الممكن مقارنة هذه الأرقام مع وسائل إعلام أخرى.
فلنأخذ على سبيل المثال ميزانية “إذاعة أوروبا الحرة ـ راديو ليبرتي” التي ازدادت من 75 مليون دولار في عام 2007 إلى ما يتوقع 128 مليون لعام 2018. وعلى الرغم من أن هذا المسار يظهر نمواً، إلا أن ميزانية “إذاعة أوروبا الحرة” لم تقترب قط من ميزانية “روسيا اليوم” حتى عندما بلغت ذروتهاخلال الأيام الأخيرة للإتحاد السوفيتي.
وفي مثال آخر، بلغت ميزانية مجموعة “بي بي سي” للخدمات العالمية لعام 214-2015، والتي تضمنت توزيع الخدمات الإخبارية عبر التلفزيون والإذاعة والإنترنت، 376 مليون دولار. ورغم أنه لم يتمّ الإفصاح علنا عن ميزانية أكبر شبكتين عربيتين في المنطقة، وهما “العربية” و “الجزيرة“، إلا أن هناك تقارير في عام 2010، رغم بروز تقارير عن تقليص الميزانية وخفض عدد الموظفين وإغلاق قناة “الجزيرة أمريكا“، منذ عام 2016. وبالمثل، تفيد بعض التقارير أن ميزانية “العربية” تناهز مئات الملايين سنويا.
…
البقية في الجزء التالي بدءً بـ (المشهد الإعلامي بالشرق الأوسط).
***
آنا بورشفسكايا ـ هي زميلة أقدم في معهد واشنطن، حيث تركز على سياسة روسيا تجاه الشرق الأوسط. وهي طالبة دكتوراه في “جامعة جورج ميسون“، وزميلة في “المؤسسة الأوروبية للديمقراطية“. ويتم نشر تحليلاتها على نطاق واسع في “فورين أفيرز“، “ذي هيل“، “ذي نيو كريتوريون“، “ذي ميدل إيست كوورترلي“، و “فوربز“. وهي مؤلفة دراسة المعهد لعام 2016، “روسيا في الشرق الأوسط“.
كاثرين كليفلاند ـ هي زميلة أقدم في معهد واشنطن ومحررة “منتدى فكرة“. وقد حصلت مؤخراً على درجة الماجستير في “دراسات الشرق الأوسط” من “جامعة شيكاغو“.
____________
