نظم مركز الدراسات الإستراتيجية والدبلوماسية ندوة سياسية حوارية حول تطورات الوضع في ليبيا تحت عنوان ليبيا في مدار الصراع الدوليحضرها بعض أعضاء السلك الدبلوماسي المقيمين في تونس وكذلك شخصيات سياسية وفكرية تونسية والعديد من وسائل الإعلام المحلية والأجنبية.

الجزء الثاني

المداخلة الثالثة كانت للأستاذ التونسي علي اللافي بعنوان دور المحور العربي والخليجي ما بعد الربيع العربي والدور الروسي المرتقب“.

يعتبر السيد اللافي أن الصراع في ليبيا هو صراع بين وكلاء محليين ضيقي الأفق الإستراتيجي يشتغلون لصالح أذرع إقليمية خادمة بطبيعتها للقوى الدولية لنهب ثروات ليبيا والمرور بيسر للعمق الإفريقي.

إن الموجود اليوم في ليبيا بعد كل هذه الحروب هو حالة توازن ضعف بين الأطراف الداخلية والأطراف الإقليمية والإطراف الدولية .

وبالتالي فإن الحل السياسي في ربيع 2019 يبقى قائما وثمة أمل أن يعود البلد إلى استقراره. ويرى الأستاذ اللافي أنه هناك ثلاثة مرتكزات أساسية لفهم ما يجري في ليبيا :

المرتكز الأول: القوى الدولية التي لها هامش قرار فعلي في ليبيا وغير مرتبط بدول أخرى هي فرنسا والصين وروسيا وأمريكا وكل البقية هي تقوم بأدوار وظيفية أو مرحلية للسياسات الأمريكية أو سياسات باقي الدول بما يعني أن دول المحور العربي كلها تقوم بأدوار وظيفية سواء اختيارا منها أو دفعا منها

المرتكز الثاني: في أي دولة من الدول لا توجد وحدة متكاملة تنظر بنفس النظرة وحتى في مصر مثلا فقط هناك المؤسسة العسكرية عندها قرار ولكن ثمة قوى أخرى مثل وزارة الخارجية وغيرها مؤثرة في صنع القرار . وهذا ينطبق على أمريكا وفرنسا وكل الدول.

المرتكز الثالث: أن القارة الإفريقية هي قارة غير عادية وثمة صراع تاريخي بين القوى التقليدية عليها ودخلت عليها قوى جديدة . إذن المشهد في 1951 في ليبيا يكرر نفسه من جديد. فكما لم يستطع الروس التمركز في ليبيا سنة 1951 لم يستطيعوا أيضا التمركز اليوم في ليبيا.

بالنسبة لدور المحور الإقليمي. هناك محورين إقليميين:

الأول: محور مصري إماراتي التحق به السعوديون . رغم التماسك الظاهر داخل هذا المحور إلا أنه هناك خلافات كبرى داخله في إدارة الملف الليبي . فالإمارات تريد إدارة هذا الملف على أن يكون شريكاها قوتين للدعم اللوجستي والتنفيذي المباشر . كما أن هناك خلاف حول الدور المصري سياسيا وفي العلاقة المباشرة مع عقيلة صالح وطبيعة العلاقة مع حفتر وأيضا في طبيعة العلاقة مع بعض الشركاء الغربيين وبعض الدول الإفريقية الفاعلة في إدارة الملف الليبي .

كما أن هناك خلافات مع مصر في علاقتها بشخصيات سياسية أخرى وأدوارها المستقبلية في ليبيا. بالنسبة للنظام المصري بطبيعته العسكرية من غير الممكن أن يقبل بالديمقراطية في ليبيا وليس مستعدا أن يفرط في برقة. ويخطئ من يتصور أن مصر ستبتعد عن الملف الليبي .

بالعكس مصر مطلوب منها أن تلعب دورا في ليبيا وقد نتفق مع هذا الدور أو نختلف بفعل الأهمية المحورية لمصر في المنطقة العربية. ولن يكون النظام المصري مرتاحا لحكومة لا يستفيد من عطائها الاقتصادي ولا تجاريه سياسيا .

أمّا الإمارات فإنها لن تكون مرتاحة للذهاب بعيدا في الحل السياسي فهي محسوبة على القوى المضادة للثورات العربية. ورغم أن الإماراتيين دائما يبقون مرتبطين بالتوجه الخليجي إلا أنهم ارتبطوا موضوعيا بالتوجه الفرنسي.

كما أنهم مستقبلا لن يكونوا معارضين للسياسات الأمريكية . فقد وصلت مؤخرا رسائل أمريكية للإماراتيين والمصريين بأن ارفعوا أيديكم عن الملف الليبي“. طبعا هامش المناورة سيبقى دائما موجودا وسيوجد حتى بعد المؤتمر الوطني الجامع وبعد الانتخابات في الربيع القادم إن وقعت لأن الإمارات لها تأثير حتى في بعض عواصم القرار الدولي لأن للإمارات استثمارات كبرى وعلاقات جيوسياسية حتى مع الكيان الصهيوني .

الثاني: المحور القطري التركي هو تعبير موضوعي عن تحالفهما السياسي والاقتصادي. هذا التحالف المعلن ليس طرفا محايدا رغم أنه تحالف لم يترك بصمات سياسية في المشهد الليبي على عكس قوى إقليمية أخرى. فهو محور يتحرك بهدوء وببطء نتاج أوضاع داخلية (المحاولة الانقلابية في تركيا والحصار الخليجي لقطر) .

إن هذا المحور يتحرك بطرق غير ظاهرة حتى أن البعض يعتبره قد غادر الساحة الليبية . هناك قوى إقليمية ودولية لا تتحرك مباشرة في ليبيا وأنا أختلف مع الدكتور الغرياني عندما أشار إلى أن الأمريكان غير موجودين في الملف الليبي . فالأمريكان لم يبتعدوا أصلا عن الملف الليبي لا سنة 2011 ولا اليوم . فهم يجارون الملفات بأدوار وظيفية و هم الذين يريدون البطء في الملف الليبي وهم الذين يريدون الآن الحل السياسي ودخول ستيفاني ويليامزللبعثة الأممية هو مؤشر قوي على ذلك.

الأتراك يريدون الخروج من جبة الدور الوظيفي الذي لعبته تركيا في عهد ما قبل العدالة والتنمية وهم الآن يلعبون دورا ناعما غير ظاهر بشكل مباشر. ومن المهم أيضا الاشارة أن سياسيات قطر وتركيا ستساند مخرجات مؤتمر باليرمو ربما بسبب الضعف السياسي لحلفائهم في المنطقة الغربية .

والأتراك عينهم أيضا على مصير شركاتهم في ليبيا فالملف الاقتصادي هو أولوي بالنسبة لهم .

وبالنسبة للجزائر كقوة إقليمية فإنها لن تسمح بأي خطوة عسكرية لأي دولة إقليمية فهي ترفض بالمطلق أي تدخل لدولة مشرقية في الملفات المغاربية. إذن المحاور الإقليمية ستبقى موجودة بالتوازي مع الجزائريين في الملف الليبي ولن يستطيع أحد إخراج الجزائر من الملف الليبي.

وبالنسبة للدور الروسي فهذه الدولة تنتهج سياسة غير واضحة في ليبيا ولا تعتبر خليفة حفتر اللاعب الرئيسي الوحيد رغم استقبالها للجنرال بل إن القيادة الروسية تصرح دائما أنها على مسافة واحدة من جميع الفرقاء الليبيين .

وروسيا ستسعى مستقبلا إلى فرض وجود لها في ليبيا لأن ملف الطاقة يعنيها بدرجة أولى وسيبقى اهتمامها منصبا على دول أوروبا الشرقية بالتوازي مع ليبيا.

وختم السيد اللافي مداخلته بأن الصراع في ليبيا هو صراع لوبيات وشركات متعددة الجنسيات وراءها قوى عظمى تريد التحكم مستقبلا في القارة الإفريقية وليبيا هي أفضل مدخل لهذه القارة.

المداخلة الرابعة كانت للأستاذ محمد عمران أبو القاسم كشادة وعنوانها دور دول الجوار العربي والإفريقي في الأزمة الليبية” .

بدأ الأستاذ مداخلته باستحضار بعض الأحداث التاريخية الخاصة بدول الجوار الليبي ليس من باب السرد العبثي بل من باب التّأكيد على الحقائق التي لها علاقة بالواقع الحالي.

إن دول الجوار تتفاعل مع بعضها وقت الأزمات ووقت الرخاء أيضا . ولو تناولنا مصر على سبيل المثال فإنه يؤلمنا جدا أن موقف الأشقاء في مصر سلبي جدا تجاه الأزمة الليبية فهم ساهموا في تأجيج الصراع في ليبيا وحتى لما شكلوا لجنة خاصة بالشأن الليبي تركوا كل الكفاءات ووضعوا على رأسها رجلا عسكريا وهذا يعطي انطباعا أن المصريين ينظرون لليبيا كمنطقة عسكرية.

وهنا نفصل بين مصر كشعب وحضارة وبين مصر كنظام سياسي . إن مصر تزعم أمام العالم أنها مع حكومة الوفاق وتدعم الحل السلمي وتدعو إلى توحيد الجيش الليبي لكن هي في حقيقة الأمر تدعم المشروع العسكري الذي يقوده خليفة حفتر .

ونحن نريد من كل أشقائنا العرب مساعدتنا . إن الشعب الليبي لا يستطيع أن يحتمل حربا طويلة المدى تستنزف كل قدراته. فليبيا فقدت الكثير من أبنائها بين شهداء ومهجرين أيام الاستعمار الإيطالي وكل من يدعو إلى الحل العسكري اليوم هو يدعو إلى إبادة الليبيين. إن المؤشرات السكانية اليوم مقلقة في حالة استمرار الصراع .

وبالنسبة للسودان موقفها إيجابي ودائما تدعو إلى الحل السلمي وقد استضافت منذ أيام مؤتمر دول جوار ليبيا سعيا منها لهذا الحل السلمي أما تشاد والنيجر فموقفهما سلبي فهما تدوران في فلك الاستعمار الفرنسي وفيهما قواعد فرنسية مهمة .

وهاتان الدولتان كثيرا ما تصرحان بأن الجنوب الليبي هو ملاذ آمن للإرهابيين وتدعوان الدول الغربية للتدخل المباشر . وهذا تهديد للأمن القومي الليبي . والرئيس التشادي زار مؤخرا إسرائيل وهو ما يعني دخول لاعب جديد إلى حلبة الصراع وهذا ينذر بالخطر

بالنسبة لتونس فمواقفها تاريخيا دائما إيجابية فهي احتضنتنا أيام الاستعمار الإيطالي وأيام ثورة فبراير . وحتى في القمة الثلاثية التونسية المصرية الجزائرية لمسنا إيجابية الموقف التونسي وإصراره على الحل السلمي .

إن خمسمائة كيلومتر من الحدود بين تونس وليبيا تفرض حقائق في الجغرافيا والتاريخ لا يمكن لأحد أن يتجاهلها وللأمانة فإن الجزائر في 20 فبراير 2015 لما فيليب هاموندوزير الخارجية البريطاني زار الجزائر والتقى بنظيره الجزائري كان هناك موقف موحد بينهما بضرورة الحل السلمي للأزمة الليبية . وكان هذا دائما موقف الجزائر وكانت دائما توجه رسائل قوية لمصر بالكف عن محاولة العسكرة التي تنتهجها في ليبيا.

إن الجزائر حساسة من أي محاولة تدخل عسكري بجوارها العربي والإفريقي . والجزائر تربطها بليبيا أكثر من ألف كم من الحدود وهي الآن تتحمل عبئا كبيرا في تأمينها حيث نشرت آلاف الأسلحة والجنود على طول الشريط الحدودي. فالجزائر تربطها بليبيا صفحات مشرقة من التاريخ.

طرابلس كانت مقرا لقيادة جبهة التحرير الجزائرية أيام ثورة التحرير والشعب الليبي وقف مواقف مشرفة دعما للشقيقة الجزائر. إن رسالتنا لأشقائنا في الجزائر أننا نراهن عليهم ونراهن على تحالف قوي مع حكومة الوفاق الليبية. إن التحديات في المنطقة اليوم تفرض نفسها وهي عديدة وتفرض على الشقيقة الجزائر مواقف حاسمة تجاه القضية الليبية . ونحن لا نستطيع مجابهة كل هذه التحديات إلا بمؤازرة جيراننا المخلصين الذين نلمس فيهم صدق السعي لحل الأزمة الليبية وعلى رأسهم الجزائر وتونس .

واختتم الأستاذ كشادة مداخلته محذرا بأن طول الأزمة في ليبيا ستكون له بالتأكيد نتائج سلبية على كل دول الجوار.

وقد اختتمت الندوة بحوار معمق أجاب من خلاله المحاضرون على جملة الأسئلة والمشاغل التي عبر عنها الجمهور الحاضر.

***

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية ـ مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

_____________

مواد ذات علاقة