بقلم علي بن خليفة حدّاد
صار من المؤكد أن الحديث عن وضع صحي حرج يمر به قائد عملية “الكرامة” في ليبيا خليفة حفتر، وربما موته، لم يكن مجرد شائعات.
ومع تصاعد الجدل الدائر حول حال “الرجل القوي” المثير للجدل وتداعيات خروجه من المشهد السياسي والعسكري، تتسارع مساعي الرعاة الإقليميين لعملية “الكرامة” لاختيار خليفة له بمقدوره مواصلة الدور الوظيفي في التصدي للواقع الذي أفرزته ثورة 17 فبراير ولتلافي انهيار التحالفات القبلية والعسكرية الهشة التي تجمعت حوله، في خضم مؤشرات متواترة عن صعوبة المهمة.
الجزء الاول
مقدمـة
أيام مرت على سريان خبر دخول خليفة حفتر، قائد “عملية” الكرامة في ليبيا، في وضع صحي حرج، في أحد مستشفيات العاصمة الفرنسية باريس. ورغم تأكيد الناطق الرسمي باسم عملية “الكرامة” أحمد المسماري، في البداية، أن حفتر بصحة جيدة ويتابع العمليات العسكرية ضد ثوار مدينة درنة، ثم تراجعه، لاحقا، وإعلانه سفر حفتر إلى فرنسا لإجراء لقاءات مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان وقادة أوروبيين،
ثم ظهوره ثالثة ليعلن أن حفتر سيعود خلال يومين، قبل أن يعدل كلامه، في اليوم الموالي، ويعلن أنهم في انتظار عودته، دون تحديد موعد، ورغم تأكيد بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا أن رئيسها غسان سلامة هاتف حفتر لمدة عشر دقائق، فإن الجدل على صفحات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام لم يهدأ.
ويبدو، استنادا إلى مصادر متواترة، أن حفتر في وضع صحي حرج، في أفضل الأحوال، وأنه صار، موضوعيا، خارج المشهد السياسي والعسكري في ليبيا، وخارج المعادلات الإقليمية التي أفردت له موقعا مميزا في سياق التصدي لتداعيات الثورات العربية.
حفتر: العسكري المثير للجدل
ولد خليفة حفتر سنة 1942 بمدينة اجدابيا، شرق ليبيا، لأسرة تنحدر من قبيلة الفرجان التي تتمركز، أساسا، بالمنطقة الوسطى، مع بعض الامتداد المحدودة في المنطقة الشرقية. انضم حفتر، في سبتمبر 1969، إلى الانقلاب الذي أوصل الملازم معمر القذافي إلى الحكم.
لم يظهر اسم خليفة حفتر في الإعلام إلا سنة 1987، حين وقع في الأسر إثر هجوم دام شنته القوات الموالية للرئيس التشادي حسين حبري على قاعدة وادي الدوم التي تتمركز بها قوات ليبية شمال تشاد. وخلال فترة الأسر، أعلن حفتر انضمامه إلى الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا، وانتقل للعيش في الولايات المتحدة الأمريكية.
وظل بعيدا عن الأضواء حتى اندلاع ثورة 17 فبراير، حيث عاد إلى بنغازي وحاول الحصول على موقع قيادي في قوات الثوار، غير أن وجود اللواء عبد الفتاح يونس، الذي اغتيل فيما بعد، حال دون ذلك. وإثر الإطاحة بنظام القذافي اختار عدد من الضباط خليفة حفتر لرئاسة أركان الجيش الليبي، غير أن المؤتمر الوطني العام سرعان ما منحه التقاعد، حيث عاد إلى الولايات المتحدة الأمريكية.
في الـ14 من فبراير 2014، عاد خليفة حفتر إلى الأضواء من خلال قناة “العربية“، حيث تلا بيانا أعلن فيه وقف أعمال المؤتمر الوطني العام، مؤكدا أن تحركه يأتي “استجابة لمطلب شعبي“، غير أن هذه المحاولة الانقلابية لم تنجح في حشد السياسيين والعسكريين حوله.
لم يحل فشل المحاولة دون ظهور حفتر، ثانية، عبر قناة “العربية“، في الـ16 من مايو من نفس السنة، معلنا إطلاق عملية عسكرية تحت مسمى “كرامة ليبيا“، بهدف “تطهير ليبيا من الإرهاب والعصابات والخارجين عن القانون والالتزام بالعملية الديمقراطية ووقف الاغتيالات خصوصا التي تستهدف الجيش والشرطة“.
وتزامن انطلاق عملية “الكرامة” مع هجوم إعلامي منسق أمَّنته القنوات الإماراتية والمصرية وبعض القنوات الليبية للترويج لحفتر وإظهاره في صورة الرجل القوي ومنقذ لليبيا من حالة الفوضى التي تردت فيها وللتبشير بحسم عسكري سريع في كامل الجغرافيا الليبية.
ورغم الدعم الإقليمي الذي حظي به حفتر، إعلاميا وماليا ولوجستيا وحتى عسكريا، من خلال مشاركة الطيران المصري والإماراتي والفرنسي في العمليات التي شهدتها بنغازي والجفرة والهلال النفطي، فقد عجزت قوات “الكرامة” عن تحقيق حسم سريع.
ففي بنغازي امتد المعركة ضد مقاتلي “مجلس شورى ثوار بنغازي” ثلاث سنوات، وكلفت المدينة خرابا واسعا في بناها التحتية وتهجير ما يقارب ثلث سكانها وتمزيق نسيجها الاجتماعي من خلال التصفيات الجماعية والقتل خارج القانون ومصادرة الممتلكات وحرق المساكن.
أما الهلال النفطي، فقد ظل مسرحا لعمليات كر وفر بين قوات “الكرامة” و“سرايا الدفاع عن بنغازي” التي تمكنت، مارس 2017، من السيطرة على أغلب المنشآت النفطية قبل أن تتراجع تحت القصف الجوي الأجنبي العنيف، وهو السيناريو، ذاته، الذي شهدته منطقة الجفرة.
وفي الجنوب، ورغم سيطرة الكتائب الموالية لحفتر على أغلب المدن، فإن المشهد، هناك، يظل متحركا، في حين عجزت هذه الكتائب عن تحقيق اختراق نوعي في المنطقة الغربية، بما فيها العاصمة طرابلس، وظل نفوذ حفتر في تراجع، حتى في بعض المدن الصغيرة التي سايرت عملية “الكرامة” في بداياتها.
حفتر: لاعب محلي أم مشروع إقليمي؟
تزامن صعود خليفة حفتر في المشهد السياسي والعسكري في ليبيا مع التحولات التي شهدتها بلدان الثورات العربية، اعتبارا من النصف الثاني من سنة 2013، والمتمثلة، أساسا، في الإطاحة بالرئيس المصري الأسبق محمد مرسي، وما تبعها من تصفية شاملة لمكتسبات ثورة 25 يناير، وعودة المنظومة السابقة لممارسة منسوب عال من القمع للخصوم السياسيين ولكل الحاضنة الاجتماعية للثورة، كما تزامن مع خروج حكومة الترويكا، المؤلفة من حزب النهضة ذي المرجعية الإسلامية وحزبي المؤتمر والتكتل ذوي المرجعية العلمانية، من الحكم في تونس، وما تبعها من مخرجات الانتخابات البرلمانية والرئاسية سنة 2014، والتي شكلت، هي الأخرى، انتكاسة للمسار الذي أفرزته الثورة.
لم يكن السياق الذي تحول فيه حفتر إلى رقم وازن في المعادلة الليبي وليد الظروف الموضوعية التي تلت الثورات في أكثر من بلد عربي، والتي اتسمت بارتفاع مستوى الآمال وسط مناخ من عدم الاستقرار الأمني والاقتصادي والمؤسساتي، فحسب، بل كان، أيضا، نتيجة مشروع إقليمي معلن لتصفية الواقع الذي أنتجته الثورات ثم الانتخابات التي شهدتها تونس ومصر وليبيا، والتي منحت الصدارة لتيارات الإسلام السياسي وللشخصيات والأحزاب العلمانية المحسوبة على الخط الثوري. واتخذ المشروع الإقليمي، الساند لحفتر في ليبيا، محامل متنوعة ومتوازية، بينها التعبئة الإعلامية والضخ المالي والتسليح والترويج السياسي والدبلوماسي.
فعلى المستوى الإعلامي، شهدت سنتا 2013 و2014، وما تلاهما، انطلاق بث سلسلة من القنوات الفضائية الليبية، التي اتخذت من الإمارات ومصر والأردن مقرا لها، وأخذت على عاتقها مهمة الترويج لحفتر وتقديمه في الصورة النمطية للرجل العسكري القوي القادر على الخروج بالبلاد من حالة الفوضى والتجاذب، أسوة بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، مع الحرص، في الآن ذاته، على ضرب رمزية الثورة من خلال تحميلها وزر ما آلت إليه الأوضاع، ومن خلال تقديم الثوار والنخب التي أفرزتها الثورة في صورة المجرمين والقتلة ولصوص المال العام والجاهلين بآليات تسيير أجهزة الدولة.
ولم تكن هذه المهمة حكرا على القنوات الليبية، بل اضطلعت قنوات أخرى، إماراتية وسعودية ومصرية وتونسية خصوصا، بالمهمة ذاتها، حتى صارت صفة “القائد العام للجيش الوطني الليبي” ملازمة لاسم الرجل، رغم أن السلطة المعترف بها دوليا يمثلها المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني والمؤسسات التابعة له، بما في ذلك المؤسسة العسكرية، في حين لا يشغل حفتر أي منصب رسمي ولا يعترف بأي علاقة تراتبية تربطه بالمجلس.
أما على المستوى العسكري، فقد تحول الدعم الخفي الذي بدأ سنة 2014 إلى دعم علني من خلال الوجود الإماراتي والمصري والفرنسي المباشر، وصار مشهد الآليات العسكرية والذخائر التي تنزلها السفن في ميناء طبرق متواترا في وسائل الإعلام، بما فيها المحسوبة على الجهاز الإعلامي لعملية “الكرامة“.
وشهدت كبرى المعارك التي خاضتها القوات الموالية لحفتر في بنغازي ودرنة والجفرة والهلال النفطي مشاركة مكثفة لسلاح الطيران. ففي بنغازي لم تحسم المواجهات الدامية ضد “مجلس شورى ثوار بنغازي” في قنفودة والصابري وسوق الحوت والقوارشة والهواري وقاريونس وغيرها إلا بعد أشهر من القصف الجوي العنيف بالطائرات الحربية والمسيرة، وكذلك الأمر في قاعدة الجفرة التي تعرضت لقصف أجنبي عنيف على امتداد أسابيع.
أما في الهلال النفطي، فقد تمكنت “سرايا الدفاع عن بنغازي” من السيطرة على أغلب المنشآت والموانئ، خلال ساعات، في مارس 2017، بمجرد توقف حركة الطيران الأجنبي بفعل العواصف الرملية.
لم يتوقف الدعم العسكري الذي لقيه حفتر من القوى الإقليمية عند حدود المساندة الجوية، بل تعداها إلى الحضور المباشر من خلال القواعد العسكرية. ففي قاعدة بنينا في بنغازي تمركزت تشكيلة من سلاح الجو الإماراتي واتخذتها منطلقا لتنفيذ الغارات بطائرات أيرتراكتر 802 على مواقع “مجلس شورى ثوار بنغازي“.
أما قاعدة الخادم الجوية، جنوب المرج، فقد تحولت، منذ 2016، إلى إحدى أكثر القواعد الإماراتية تجهيزا، فيما تتواتر تقارير عن تحضيرات لتركيز الوجود العسكري الإماراتي المباشر في قاعدة الجفرة التي سيطرت عليها قوات حفتر، شهر يونيو 2017.
أما الدعم الفرنسي، فقد ظل غامضا، رغم التقارير المتواترة التي أوردتها صحيفة “لومند” عن تمركز وحدات من القوات الخاصة الفرنسية في بنغازي، إلى حين إسقاط طائرة مروحية فرنسية، شهر يونيو 2016، في منطقة المقرون، وتمكن مقاتلي “سرايا الدفاع عن بنغازي” من احتجاز جثث الضباط الثلاثة الذين كانوا على متنها.
وفي السياق ذاته، سجل نسق الدعم العسكري المصري لخليفة حفتر تصاعدا منذ انطلاق عملية “الكرامة“، من خلال الغارات الجوية التي نفذها سلاح الجو المصري، في أكثر من مناسبة، على مدينة درنة التي تحاصرها قوات حفتر منذ سنتين، ومن خلال المستشارين الذين يتولون الإشراف على تدريب قوات “الكرامة“، وبلغ التدخل العسكري المصري المباشر حد تنفيذ ضربات جوية على مواقع قوات “فجر ليبيا” جنوب العاصمة طرابلس وقرب الحدود التونسية، شهر ديسمبر/كانون الأول 2014.
…
البقية في الجزء الثاني
***
علي بن خليفة حدّاد ـ باحث بمركز الدراسات الاستراتيجية والدبلوماسية
________________