بقلم د. عزة كامل المقهور
انتخب مجلس النواب الليبي في عام 2014 في ظل انقسام حاد أعقبت نتائج انتخابه حرب اندلعت في طرابلس، وسبقتها اضطرابات أمنية وحرب في مقره ببنغازي، وهو سلطة تشريعية وليدة تعديل دستوري سابع اقترحه وتبناه وأصدره المجلس الوطني العام ثم عرقل تنفيذه رئيسه وبعض من أعضائه.
استنفذ مجلس النواب الليبي ولايته استنادا لصك ولادته (التعديل السابع للإعلان الدستوري) في أكتوبر 2015. فمجلس النواب يستمد مشروعيته وولايتهمن انتخابات عامة وتفويض شعبي استنادا للإعلان الدستوري الليبي وتعديلاته، واستنادا لمبدأ التداول السلمي للسلطة وهو أساس العملية الديمقراطية، لذا فإن مجلس النواب الليبي غير مخول بالتمديد لنفسه، بل بحاجة إما إلى استفتاء شعبي أو تسليم السلطة لهيئة أخرى.
ورغم انتهاء ولاية مجلس النواب، وما لحقه من عجز في أداء مهامه، إلا أنه آخر مجلس تشريعي وليد انتخابات عامة في البلاد، كما وأنه لا يمكن تصور الإنتقال من فترة انتقالية لأخرى، أو حتى لفترة استقرار يحكمها دستور دائم دون وجود سلطة تشريعية تصدر التشريعات اللازمة لولوج مرحلة أخرى.
فلا يمكن على سبيل المثال تنفيذ الاتفاق السياسي الليبي إلا بتدخل تشريعي من مجلس النواب، ولا تبني مشروع الدستور المحال من الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور إلا بتدخل مجلس النواب وإصدار قانون الإستفتاء على مشروع الدستور، وحزمة تشريعات أخرى للدخول في مرحلة جديدة استنادا للدستور بما في ذلك قوانين الانتخابات للهيئتين التشريعية والتنفيذية (الرئاسية).
لذا وبغض النظر عن ما يعتري مجلس النواب القائم من عيوب واستنفاذ ولايته، إلا أنه ذو أهمية خاصة ومحورية لن تدور عجلة التحول الديمقراطي والحلحلة السياسية إلا عبره.
وانطلاقا من هذه الحقيقة –حتى وإن كانت مرّة– فإنه لمن الخسارة الفادحة أن يصاب هذا الجسم المهم بما أصيب به، وأن يُختزل أعضاؤه المائتان في شخص رئيسه، وأن يعجز عن عقد جلساته، وأن يصيبه التشظي بين مؤيد للاتفاق السياسي ومعارض له، وأن ينحاز بعضه للمجلس الرئاسي ويعمل في فلكه، بينما يندفع أخرون نحو المؤسسة العسكرية ويصطفون معها، وغيرهم لا حول لهم ولا قوة.
وهذا في جله خسارة للوطن وللمسار الديمقراطي.
فمجلس النواب يفترض أن يكون المعقل الأخير للدفاع عن المسار الديمقراطي، ومحرك العملية السياسية، والحصن الحصين لوحدة البلاد. لكنه ركن إلى العجز وسوء الإدارة والإنقسام وفرط في الأمانة التي أوكلها اليه منتخبوه.
الاتفاق السياسي الليبي ومؤسساته
بتاريخ 17/ 12/ 2015 تم التوقيع على الاتفاق السياسي الليبي بإرادة دولية، وبعد حوار ليبي لمدة عام تقريبا تحت رعاية الأمم المتحدة وبعثتها في ليبيا شاركت فيه مؤسسات رسمية أهمها وفدان عن كل من مجلس النواب (جرى الحوار أثناء سريان ولايته، والتوقيع بعد تمديدها)، وبعض من أفراد المؤتمرالوطني العام (المنتهية ولايته والرافض بعض أعضاءه لتسليم السلطة)، بالإضافة إلى أفراد تم اختيارهم من بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا.
كان المتوقع من هذا الإتفاق ما يلي:
ـ تمديد ولاية مجلس النواب بأعضائه المنتخبين من خلال هذا الإتفاق، واستئناف المسار الديمقراطي استنادا للاتفاق السياسي الذي سيصبح الدستور الجديد المؤقت للبلاد بعد أن يتبناه مجلس النواب ويصدر تعديلا به.
ـ إيجاد كيان جديد وهو السلطة التنفيذية الجديدة تأسيسا على محاصصة من نوع خاص، مشكلة من تسعة أفراد تضمن خليطا من التمثيل الجغرافي والايديولوجي والترضية للمؤسستين الموقعتين على الإتفاق ورضى بعض الدول الإجنبية.
ـ ترضية الأفراد المعارضين والمقاطعين والمخاصمين لمجلس النواب والرافضين تسليم السلطة إليه من المؤتمر الوطني العام منتهي الولاية والأهم المسيطرين على العاصمة طرابلس. وذلك في إطار جسم جديد سمي بالمجلس الأعلى للدولة، مُنحت له بعض السلطات التي يفترض أن يتقاسمها مع مجلس النواب.
لكن الأمور وخاصة القانونية الإجرائية للاتفاق السياسي لم تسر كما أريد لها أن تكون.
وهكذا في ظل رغبة مستمرة ومتفاقمة في تحقيق سياسة المواءمات والترضية والحاجة لأجسام (حتى وإن كانت مؤسسات أمر واقع) تتعامل معها الدول الأجنبية خاصة في مسألتي الهجرة غير النظامية والإرهاب، تم تجاوز كل القواعد والترتيبات القانونية المنصوص عليها في الاتفاق، لينتهي الأمر إلى مؤسسات واقع أليم، عاجزة عن أداء أدوارها وأهمها انتشال المواطن الليبي من مستنقع الحرب وتوفير حد أدنى من الخدمات الأساسية ومحاولة كبح جماح التدهور الإقتصادي الذي يكاد أن يقضي على العملية السياسية برمتها.
المعضلة الأساسية للاتفاق السياسي
في إطار البحث عن جواب للسؤال المطروح في العنوان، فإن المنطق يقول إن لكل نهاية بداية. لنصل إلى السؤال الهام وهو فيما إذا كان الإتفاق السياسي قد دخل حيز التنفيذ.
بقراءة متأنية للإتفاق السياسي، يتضح أن بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا والتي تولت الجانب الفني في صياغة الإتفاق فضلت على ما يبدو عدم تحديد الجهة المسؤولة عن دخول الإتفاق السياسي حيز التنفيذ. وهي مسألة نبهنا اليها وإلى عواقبها بُعيد إبرام الإتفاق السياسي .
تقول القاعدة العامة والأساسية أن السلطة التشريعية هي المسؤولة دون غيرها عن إصدار القوانين.
ينص الإعلان الدستوري في المادة (17) على أن المجلس الوطني الانتقالي المؤقت “يباشر أعمال السيادة العليا، بما في ذلك التشريع ووضع السياسة العامة للدولة“. وينص الإتفاق السياسي في الفقرة 10 من المبادئ الحاكمة الإلتزام بأن مجلس النواب هو ” السلطة التشريعية الوحيدة في البلاد خلال المرحلة الانتقالية“.
وتنص المادة (65)/ الاتفاق السياسي على صدور تعديل دستوري “بما يتفق ونصوص هذا الاتفاق ووفقا للإجراءات المقررة قانونا ووفقا للمقترح بالملحق رقم 4….” ، كما وأن الإتفاق السياسي اشتمل على مقترح تعديل دستوري من ضمن ملاحقه.
إضافة إلى أن المادة 12 من الأحكام الإضافية/ الاتفاق السياسي، أكدت على الأهمية الأساسية للإعلان الدستوري وتعديله المرفق بالاتفاق باعتماد الإتفاق السياسي، وحرصت على التأكيد على اختصاص مجلس النواب بإصدار التعديلات الدستورية اللاحقة بعد التوافق مع مجلس الدولة.
وهو ما يعني التأكيد على اختصاص مجلس النواب بإصدار التعديلات الدستورية، والتوقع الحتمي أن يتحول الاتفاق السياسي إلى تعديل دستوري.
ولو تصورنا ببساطة أو بسذاجة، أن مجلس النواب في جلسة علنية، قام بتنفيذ تعهدات وفده لحوار الصخيرات وفقا للاتفاق السياسي وأصدر تعديلا دستوريا عاشرا بالاتفاق السياسي، وتم الدفع بالعملية السياسية، لتغيرت الكثير من المعطيات.
لكن كل ذلك لم يحدث. وقد يكون الخلل في آلية التواصل والعمل ما بين وفد مجلس النواب الممثل له في حوار الصخيرات والمجلس ذاته (ثارت بالخصوص اشكالية التمثيل)، أو أسباب سياسية أخرى تتعلق بالمادة 8 من الأحكام الإضافية في ظل مستجدات عملية الكرامة العسكرية في شرق البلاد.
وأيا كانت الأسباب، فإن هذا الإتفاق لم يتحول من مجرد اتفاق بين أطرافه إلى “تشريع أساسي” يفترض العمل به بوصفه دستورا للبلاد يحكم المرحلة الانتقالية الجديدة.
الخلاصة، أن الاتفاق السياسي لم يدخل حيز التنفيذ ولم يصدر في شكل تشريع وطني (تعديل دستوري).
***
متى ينتهي الاتفاق السياسي؟
سبق وأن ذكرنا أعلاه، أن هذا الاتفاق يرتب التزامات بين أطرافه الموقعة عليه، سواء بصفاتهم أو بأشخاصهم. وعليه حتى بفرض عدم دخوله حيز التنفيذ، فإن الموقعين عليه ملتزمون به، باعتباره عقدا بين أطرافه.
ومن المهم القول بأنه لابد من التفرقة ما بين الاتفاق السياسي ذاته من جهة، والسلطات المنبثقة عنه أو الممدد لها بموجبه.
فالاتفاق السياسي الذي كان رعاته وموقعوه على ثقة من اعتماده وصدوره من مجلس النواب في شكل تشريع لم يضعوا له مدة لسريانه، بإعتبار أنه سينتهي كوثيقة سياسية وسيتحول إلى تعديل دستوري (تشريع)، الأمر الذي لم يحدث وخابت معه التوقعات.
ومن جهة أخرى، فإن مدة ولاية أجسام الاتفاق السياسي وضع لها الإتفاق حدا معينا سواء أكان مدة معينة كما هو الحال بالنسبة لحكومة الوفاق الوطني أو استحقاق إجراءات معينة (انتخابات تشريعية) كما هو حال مجلس النواب ومجلس الدولة.
وقبل تبيان ذلك، علينا أن نقول أن حكومة الوفاق الوطني بشقيها (الرئاسي/ ومجلس الوزراء) ليست طرفا في الاتفاق السياسي ولكنها منبثقة عنه وهو ما يعني أنها في مستوى آخر غير مستوى أطرافه.
فالفرع ليس الأصل. أما مجلس الدولة فهو إعادة تشكيل لجزء من المؤتمر الوطني العام الذي هو في جزء منه طرف في الاتفاق السياسي لكنه يتحلل نهائيا وفقا للاتفاق بتشكيل المجلس الأعلى للدولة. وأن الجسم الوحيد الباقي بحالته هو مجلس النواب.
وتأسيسا على هذا الإختلاف، تعامل الاتفاق السياسي في مسألة “الولاية” بشكل مختلف ما بين هذه الإجسام الثلاثة، وذلك على النحو التالي:
مجلس النواب: تنص المادة (18) ” يستمر عمل مجلس النواب وفقا لنص المادة 16 من هذا الاتفاق، لحين انعقاد الجلسة الأولى للسلطة التشريعية بموجب الدستور الليبي“.
حكومة الوفاق الوطني: تنص المادة 1/ 4 على أن ” مدة ولاية حكومة الوفاق الوطني عام واحد يبدأ من تاريخ نيلها ثقة مجلس النواب وفي حالة عدم الانتهاء من إصدار الدستور خلال ولايتها، يتم تجديد تلك الولاية تلقائيا لعام إضافي فقط. وفي جميع الأحوال تنتهي ولاية الحكومة مباشرة فور تشكيل السلطة التنفيذية بموجب الدستور الليبي أو انقضاء المدة المحددة لها أيهما أقرب” .
بل أن الاتفاق السياسي في المادة (4) توقع تحقق حالة انتهاء ولاية الحكومة وتشكيل حكومة جديدة بالتشاور ما بين مجلسي النواب والدولة حتى قبل مضي المدة المنصوص عليها في المادة السابقة وذلك في حالة خلو منصب رئيس مجلس الوزراء.
وفي حالة أخرى سمح الاتفاق السياسي بسحب الثقة من حكومة الوفاق الوطني قبل انتهاء مدتها، حين نصت المادة (1/5 باب حكومة الوفاق الوطني) على آلية وتفاصيل إجراء سحب الثقة من حكومة الوفاق الوطني، واشتراطاته ومن بينها موافقة 120 عضوا من أعضاء مجلس النواب.
مجلس الدولة: تنص المادة ( 22/2) على أن بقاءه وانتهاءه مرتبطان ببقاء وانتهاء مجلس النواب، حيث ورد فيها ما يلي ” ينتهي عمل مجلس الدولة بإنتهاء عمل مجلس النواب وفقا لنص هذا الاتفاق“.
وبالتالي فإن انتهاء مدة حكومة الوفاق ترتبط بمدة محددة (سنتان) لا تتجاوزهما، ويمكن أن تكون أقصر في حالتي خلو منصب الرئيس أو إجراء سحب الثقة. في حين أن إنتهاء مدة مجلس النواب ومجلس الدولة تكونان بانتخابات تشريعية وانعقاد الجلسة الأولى للسلطة التشريعية بموجب الدستور الليبي.
وفي كل الأحوال، فإن الاتفاق السياسي لم ينجح في أن يصبح تشريعا ينظم المرحلة الانتقالية الجديدة، والتي ربط الاتفاق السياسي بدايتها “بإعتماد الاتفاق السياسي“.
الخلاصة
ـ إن الاتفاق السياسي كوثيقة قانونية فشل فشلا ذريعا في تحقيق الحد الأدنى للوثيقة القانونية بأن تصبح تشريعا وطنيا ساريا ينظم مرحلة انتقالية جديدة يفترض أن تفضي إلى استقرار ينظمه دستور دائم للبلاد. لذا ظل عقدا بين أطرافه في مرحلة مبدئية ولم يكتسب الصفة التشريعية التي كان يعتقد الراعون له بأنها إجراء حتمي روتيني سهل المنال ليتحول إلى عرقلة قانونية يتعذر الإفلات منها أو القفز عليها. ومن ثم فإن كل ما ترتب من إجراءات لاحقة على التوقيع عليه هي إجراءات واقعية لا تجد ما يسندها ولا تملك أهم خاصيتين قانونيتين للقاعدة القانونية هما الإلزام والعمومية.
ـ إن أطراف الاتفاق السياسي ومن رعاه أساؤوا التقدير حين لم يتوقعوا إخفاقات إجرائية داخلية تمنع الاتفاق من الحياة. فالولادة العسيرة عادة ما تحتاج لحاضنة وطنية. لذا كان من المتعين التنبه إلى أن الاتفاق السياسي يحتاج لأن يبنى على قواعد صحيحة تؤهل لاستمرار المسار الديمقراطي الذي بدأ في عام 2012، وتم الفتك به في عام 2014. كما وأن التركيبة الخاصة للاتفاق السياسي القائمة على أفكار ودعم دولي يقوم على قواعد وطنية، كان يفترض أن تستدعي إيلاء أهمية للقواعد القانونية الوطنية وما يمكن أن ترتبه من عراقيل، بسبب هذا التمازج ما بين الدولي والوطني.
ـ إن الاتفاق السياسي يسري ما بين أطرافه الموقعين عليه، وما نتج عنه من تشكيلات وترتيبات وأهمها ما يعرف بحكومة الوفاق الوطني بشقيها الرئاسي ومجلس الوزراء التي لم تكتمل اجراءات تشكيلها. فصك ولادة هذه الحكومة هو هذا الاتفاق الذي عليها أن تمتثل لبنوده ولا تستهين بها لأنها وليدته.
ـ إنه يجب التفرقة ما بين المؤسسات الخاضعة لهذا الاتفاق (المؤسسات الثلاث)، وما بين الاتفاق السياسي ذاته، فولاية المؤسسات الخاضعة للاتفاق السياسي محددة، في حين أن الاتفاق غير محدد المدة نظرا لتوقع أن يتحول الاتفاق إلى تشريع (تعديل دستوري) وهو ما لم يحدث. لكن نهايته حتما ستكون بصدور تعديل دستوري يلغيه أو يعدله أو دستور للبلاد،لكن عليه أن يدخل حيز التنفيذ أولا وهو العائق الأساسي لأن هذا الاتفاق لم يدخل حيز التنفيذ كما سلف الذكر.
ـ فرق الاتفاق السياسي ما بين المؤسسات الثلاثة من حيث انتهاء الولاية، بأن قرر أن تنتهي ولاية حكومة الوفاق الوطني في كل الأحوال بمضي سنتين من تاريخ نيلها الثقة (وهو ما لم يكن)، بل نص على حالتين يمكن فيهما انتهاء الولاية قبل حتى فوات هذه المدة.
أما في حالة مجلس النواب، فيكون بانتخاب سلطة تشريعية جديدة وانعقاد أول جلسة لها، والتي بدورها تنهي مجلس الدولة لأن بقاءه يرتبط ببقاء مجلس النواب.
…
البقية في الجزء الثاني
***
د. عزة كامل المقهور ـ محامية وقانونية وعضو لجنة فبراير للتعديلات الدستورية
__________