بقلم كريم ميزران وماتيا توالدو
مع تصاعد القتال بين الجماعات المسلحة المتصارعة، وتزايد التدخل الروسي ، وفراغ في سلطة الدولة الذي ينذر بتمزيق البلاد ، يبدو أن العام الجديد جلب الأخبار السيئة الواحد تلو الآخر إلى ليبيا، كل ذلك ينذر بمرحلة جديدة في انهيار البلاد في فوضى لا نهاية لها.
تلاشت أو كادت الآمال المعقودة على تحقيق الاستقرار، بعد هزيمة داعش العام الماضي بعد إعلانها على تأسيس إمارة سرت وبعد فترة وجيزة من الهدوء النسبي، تصاعد القتال مؤخرا في أربعة مناطق مختلفة من البلاد.
الهلال النفطي في شرق سرت، حيث مصدر 60 % من انتاج النفط الليبي، شهد في شهر مارس تبادل السيطرة عليه مرتين بين جيش خليفة حفتر المناهض للإسلاميين – وهو ضابط سابق متقاعد في نظام القذافي وكان قد انشق على الدكتاتور بعد أسره في معارك تشاد– وهو يقود قوات تسيطر على المنطقة الشرقية، وبين المجلس الرئاسي المدعوم من الأمم المتحدة، المرتكزة في العاصمة طرابلس حيث الميليشيات الموالية للرئاسي اسميا تقاتل ضد جماعات معادية بل يتحول الصراع إلى تقاتل فيما بينها بشكل متزايد. .
وفي الجنوب، اشتبكت ميليشيات محسوبة على النظام السابق مدعومة من حفتر مرارا مع جماعات مسلحة من مدينة مصراتة .
وفي الشرق، ومنذ عام 2014، لم يتوقف القتال بين جيش حفتر وقوات مجلسي الشورى الإسلاميين في بنغازي ودرنة.
منذ عام 2014، انقسمت البلاد بين الحكومات المتصارعة: واحدة في الشرق واثنتان في طرابلس.
في مايو من نفس السنة، بدأ حفتر عملية الكرامة التي تستهدف قوات الثوار الإسلاميين وكانت بدايتها في مدينة بنغازي. وبعد شهر، قامت كتائب مسلحة من مدن عدة في المنطقة الغربية، تحالفا باسم فجر ليبيا وسيطرت أهم المناطق الحيوية في طرابلس. ثم تحول الصراع بين قوى ثورة فبراير التي هزمت قوات الدكتاتور القذافي بمعاونة الناتو، تحول الأمر إلى صراع مرير من أجل السلطة والموارد والسيطرة على أمن البلاد المترامية الأطراف.
في ديسمبر 2015، أدت الوساطة التي قامت بها بعثة الأمم المتحدة في ليبيا إلى توقيع الاتفاق السياسي الليبي الذي كان يهدف إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية من قبل أعضاء في البرلمان من الشرق والمؤتمر غرب ليبيا. ولكن فيما كُلفت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بالتفاوض على تنفيذ الاتفاق، فإنها أصبحت الآن بلا رأس.
انتهت ولاية الممثل الخاص الحالي للأمم المتحدة فى ليبيا مارتن كوبلر هذا الشهر بعد أن فقد ثقة اللاعبين الرئيسيين فى ليبيا منذ فترة طويلة. ويسعى الأمين العام للأمم المتحدة انطونيو غوتيريس لتعيين رئيس الوزراء الفلسطيني السابق سلام فياض ممثلا خاصا له ، ولكن توقف الأمر بسبب اعتراض إدارة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب.
كما أن مسارات التفاوض المتنافسة من جانب القوى الإقليمية، وخاصة مصر والجزائر، فشلت في تحقق أي تقدم. ونتيجة لذلك، انهارت معظم قنوات الاتصال بين شرق وغرب ليبيا.
ازدادت مشاركة روسيا فى محاولة لملء الفراغ الذي خلفه انهيار مسار الأمم المتحدة وعدم اهتمام إدارة ترامب والأوروبيين بالأوضاع اللييبة. فمن غير الواضح ما تريده موسكو فعلا في ليبيا، ولكن يبدو أنها تتبع استراتيجية تعترف بالتقسيم الفعلي للبلاد، متعهدة بتقديم دعم سياسي وعسكري لقوات حفتر في الشرق، في حين توقع عقودا للنفط وتناقش الفرص التجارية ، ومشاريع البناء المستقبلية مع مؤسسات الدولة المركزية في طرابلس.
وبينما تروج تقارير تفيد بأن القوات الخاصة الروسية قد تساعد حفتر، إلا أنه لا يوجد أي دليل على دعم عسكري روسي حاسم لجيش حفتر، ومن الإنصاف القول إن الكرملين ينوع استثماراته السياسية في البلاد من خلال التحدث إلى جميع الأطراف.
دعم روسيا السياسي المتزايد من جهة والرياح السياسية المناهضة للإسلاميين التي تهب من واشنطن عززت موقف حفتر القائم على أنه لا جدوى من التفاوض على حل سياسي مع القوات في غرب ليبيا. وعلى الرغم من الضغط الشديد عليه من المصريين، رفض أن يلتقي برئيس مجلس الرئاسة ورئيس الوزراء فايز السراج، في القاهرة في 14 فبراير لمناقشة خارطة طريق للمفاوضات.
كرس حفتر نفسه بدلا من ذلك لهدفه الرئيسي المتمثل في “مكافحة التطرف” كما يراه، ومن خلال زيادة الضغط على القوات المصرية في الجنوب ومنطقة الجفرة وتلويحه بـ “تحرير” وشيك لطرابلس، وإن كان ذلك غير مرجح.
في الوقت نفسه، يتهدد غرب ليبيا خطر تفتيت أكبر من أي وقت مضى. وقد تقلص مجلس الرئاسة فعليا إلى عضوين من أصل تسعة أعضاء – السراج ونائبه أحمد معيتيق – ويفتقر إلى أي سيطرة حقيقية على الأرض. وتهيمن على العاصمة مجموعة من الكتائب المسلحة التي تقاتل الآن ضد جماعات مسلحة موالية لحكومة السراج. خارج طرابلس، يتحكم أخطبوط مماثل من الجماعات المسلحة المحلية على الأحداث فوق الأرض.
ونظرا لعدم الرغبة في التوصل إلى حل وسط في الشرق وعدم وجود محاورين موثوقين من الغرب، فإن التسوية السياسية التي تضمن توحيد البلد لا تبدو قريبة المنال.
وإذا كانت ليبيا والمجتمع الدولي يأملان في تجنب فصل جديد دموي من الحرب الأهلية، فينبغي أن يتم التركيز على ثلاثة مسارات ينبغي متابعتها على المدى القصير بالتوازي مع المفاوضات الأكبر حجما.
المسار الأول يقتضى الحاجة إلى آلية لنزع التصعيد. إذا لم يتمكن مبعوث الأمم المتحدة القيام بذلك، يتعين على شخص آخر في الغرب أن يقوم به.
هل هناك فرصة أفضل لبريطانيا لإظهار أهميتها بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي من هذه ؟
أو لماذا لا يحاول وزير الخارجية الفرنسي، الساعي لتعزيز إرثه قبل أسابيع فقط من ترك منصبه؟ وينبغي ألا يكون هذا إلا بديلا مؤقتا لبعثة تابعة للأمم المتحدة التي تعمل بكامل طاقتها وقدرتها على تحقيق المصالحة ووقف إطلاق النار على الصعيد المحلي ورصد انتهاكات حقوق الإنسان.
ويمكن لكل من المفاوضين المؤقتين والأمم المتحدة العمل على عدد من إجراءات بناء الثقة مثل إقامة قنوات اتصال دائمة وأطلاق سراح السجناء وإعادة فتح الطرق وتقاسم المساعدات الإنسانية.
المسار الثاني يقتضي الحاجة إلى ما تسميه خبيرة اقتصادية بـ “الاتفاق الاقتصادي الليبي” حول كيفية تقاسم البلاد ثرواتها النفطية سلميا. تجلس ليبيا على أكبر احتياطيات النفط الهيدروكربونية في أفريقيا: في الفترة التي سبقت حرب عام 2011، أنتجت 1.6 مليون برميل يوميا وراكمت أكثر من 100 مليار دولار من الاحتياطيات – وهو مبلغ كبير لسكان يبلغ عددهم 6 ملايين نسمة.
قد دار الكثير من القتال في السنوات القليلة الماضية حول المنشآت النفطية أو مراكز التهريب. ولذلك قد يستغرق التفاوض للإتفاق على عقد اجتماعي جديد بعض الوقت، ولكن في هذه الأثناء، يمكن أن يمثل تدبيران بداية جيدة:
يجب على الحكومة في طرابلس تعزيز الدعم المالي لجميع بلديات ليبيا، بما في ذلك المناطق التي يسيطر عليها حفتر، وينبغي وضع المنشآت النفطية تحت السيطرة الكاملة للمؤسسة الوطنية للنفط المستقلة في طرابلس، مع منع محاولات لإقامة مؤسسات اقتصادية موازية يعاقب عليها بالعقوبات الدولية.
وأخيرا، يجب أن تكون طرابلس قلب الجهود الدولية. والحاجة الأكثر إلحاحا هي خطة لإخلاء المدينة من جميع الأسلحة الثقيلة، ودفع الكتائب المسلحة إلى تخزينها خارج المناطق المأهولة بالسكان المدنيين. وهذا شرط هام يسمح للحكومة الليبية بالعمل وتسهيل المساعدات الدولية.
وهذه المهام صعبة للغاية. بيد أن البديل هو تصعيد جديد من شأنه أن يدمر ما تبقى من المؤسسات الليبية ويهيئ الظروف لعودة ظهور الجماعات الإرهابية.
وسيتطلب الأمر “وزنا ثقيلا” مثل الولايات المتحدة الأميركية لدفع ليبيا نحو السلام.
يمكن لواشنطن، بقوتها الهائلة الناعمة والصلبة، أن تضغط على جميع الأطراف للوصول إلى اتفاق وفي نفس الوقت تثني الجهات الخارجية عن التدخل في البلاد.
السؤال الكبير هو ما إذا كانت الإرادة موجودة لدى إدارة ترامب للانخراط في ليبيا.
ويتعين على مجلس الأمن القومي، خلال استعراضه لسياسة الولايات المتحدة في مختلف المجالات، أن ينظر في الميزات التي لدى الولايات المتحدة في ليبيا وأهمية البلد في مكافحة الإرهاب وعدم الاستقرار.
وأثناء آخر إدارة جمهورية، في ظل الرئيس جورج دبليو بوش، اتبعت الولايات المتحدة سياسة عملية في ليبيا نجحت في القضاء سلميا على مخزونات أسلحة الدمار الشامل في البلاد.
ومن الصعب أن نعتقد أن إدارة ترامب سوف تكون قادرة على تكرار هذا النموذج. ومع ذلك، وبدون إجراء دولي سريع، تبدو ليبيا مستعدة لجولة أخرى من العنف.
وقد ننظر في المستقبل إلى الوراء ، إلى هذه اللحظة الحالية في ليبيا ، ونقول إن الدواء كان هناك ولكن لم يكن لدى أي طبيب الشجاعة لاستخدامه.
***
كريم مزران ـ زميل بارز مقيم في مركز رفيق الحريري في منطقة المحيط الأطلسي في الشرق الأوسط.
***
ماتيا توالدو ـ زميل في السياسات العليا في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية.
______________