مناف سعد

ذات مرة في بنغازي
في ذلك الوقت، قاد حفتر “عملية الكرامة” تحت رعاية ما أطلق عليه اسم الحكومة الليبية المؤقتة التي عينها مجلس النواب الذي يقع مقره في طبرق، الواقعة في أقصى شرق ليبيا.
أصبح استغلال موارد الدولة جنبا إلى جنب مع افادة صدام من البنوك التجارية لتمويل مشترياته من خلال الديون الصادرة محليا سببا للقلق المتزايد، ليس بسبب ما كان ينفق وحسب، بل بسبب ما كان يشترى أيضا.
وبعد مرور ثلاث سنوات من الحرب للاستيلاء على بنغازي، تراجع حفتر عن ادعاءاته بـ“مكافحة الإرهاب“، في وقت توجه عناصر “داعش” باتجاه غرب ليبيا.
ولكن دون استسلام للمعارضة الليبية، كانت قوات حفتر تحتجز أو تضغط على البرلمانيين والناشطين والموظفين القضائيين وأي شخص آخر له نفوذ، كما جيء بحكام عسكريين بدلا من رؤساء البلديات المدنيين.
وقد تزامن هذا مع انتقال صدام التدريجي من مقلد ليوري أورلوف (بطل فيلم “سيد الحرب“) إلى قيادة الهجوم الداخلي لثورة حفتر المضادة. وجرى تعيين صدام قائدا بحكم الأمر الواقع للواء طارق بن زياد، الذي يتألف إلى حد كبير من أتباع “السلفية المدخلية” الذين قاتلوا على الخطوط الأمامية في بنغازي (وهم أتباع التيار المدخلي المحافظ للغاية).
وأصبحت هذه الوحدة نسخة حفتر من لجان القذافي الثورية المخيفة، حيث كانت تقدم عروضا لمعاقبة أي شخص ينتقد النظام الجديد علنا.
ومن مقر قاعدة لواء طارق بن زياد في سيدي فرج، شرقي بنغازي، أقام صدام نقوذه الخاص. وهنا أشرف على نظام موازٍ حيث لم يعمل على إعادة “تثقيف” الناشطين المدنيين وحسب، بل عمل أيضا على الضغط على رجال أعمال أو أفراد من عائلات بارزة.
وإلى جانب شقيقه خالد، ساعد صدام أيضا في تأسيس اللواء 106، الذي عمل كـ “حرس إمبراطوري” بحكم الأمر الواقع لصالح قوات حفتر. ونتيجة لهذا فقد امتاز بأنه من أفضل الوحدات تجهيزا في القوات المسلحة العربية الليبية. ومن الممكن أن نرى اندماج الدورين اللذين لعبهما صدام باعتباره وسيطا دوليا للأسلحة وطليعيا في “عملية الكرامة” وتطورها إلى جيش عائلي، متجليا بوضوح في المركبات المدرعة المتخصصة التي استخدمها اللواء 106 لاقتحام درنة.
وفي نهاية عام 2016، أصبح مستقبل صدام العسكري واضحا للعيان عندما جرى تصويره بزي نقيب وهو يحضر احتفالا عسكريا لتخريج دفعة من مجندي القوات المسلحة العربية الليبية الذين تلقوا تدريبهم في الخارج.
وعلى الرغم من أنه لم يلتحق بأية كلية عسكرية قط، ولم يقضِ أي وقت في ساحات المعارك، فقد حظي بترقية إلى رتبة رائد خلال أقل من عام. وبعد فترة وجيزة، قام عقيلة صالح، الذي أصبح الآن مواليا بشكل واضح، بترفيعه بشكل غريب إلى رتبة مقدم، بينما كان الضباط العسكريون المخضرمون الذين انضموا إلى “عملية الكرامة” في البداية يراقبون بنظرات يملؤها الرعب والاشمئزاز.
الطريق نحو الصعاب
في نهاية عام 2017، أعلنت قوات صدام حفتر النهاية الرمزية للحرب في بنغازي بطريقة مماثلة للنهاية الرمزية لثورة عام 2011، وذلك من خلال السيطرة على أحد البنوك.
وبعد إلقائه القبض على نائب وزير الداخلية في الحكومة المؤقتة، الذي كان مسؤولا عن تأمين البنوك، استخدم صدام اللواء 106 للضغط على البنك المركزي الليبي الشرقي، الذي يضم أكثر من 640 مليون دينار ليبي، و159 مليون يورو، ومليوني دولار أميركي، ونحو 6000 قطعة نقدية فضية ـ على الرغم من أن بعض هذه الأموال تضررت إلى الحد الذي جعل من المستحيل استخدامها بعد أن تسبب انكسار أحد الأنابيب في تسريب مياه الصرف الصحي حول القبو.
ومن المثير للاهتمام أن الأمر لم يستغرق سوى ستة أشهر حتى بدأت أوراق عملة اليورو في الظهور في أوروبا، حيث كانت عموما في أيدي أولئك المرتبطين بالمافيا التركية، الأمر الذي يدل على أن الأموال المسروقة استخدمت لدفع المال لأولئك الذين عملوا كوسطاء في مشتريات من الذخيرة.
في هذه المرحلة، بدا صعود حفتر أمرا لا مفر منه. حيث سيطرت القوات المسلحة العربية الليبية ظاهريا على معظم الأراضي في ليبيا، كما نجحت في التأثير على البرلمان الوطني بالكامل، وتضخم الدعم الدولي لها ليشمل معظم القوى الكبرى، وحتى “الملتقى الوطني” الذي عقدته الأمم المتحدة خصيصا لإعادة إقلاع عملية الانتقال السياسي في ليبيا كان يميل إلى تمكين تلك القوات. ثم قرر حفتر مهاجمة طرابلس.
وبعد مرور أكثر من عام بقليل، كانت القوات المسلحة العربية الليبية في حالة من الفوضى، وانحل الدعم القبلي الذي كانت تحظى به، وشعر كثيرون في الشرق باستياء شديد بسبب الشباب الذين خُدعوا للمشاركة في القتال من خلال وعود بانتصار سريع وغنائم وفيرة، حتى إنه حصل تأجيل عودة أكياس الجثث.
وقد أُنقذ حفتر والقوات المسلحة العربية الليبية ككيان من قبل مرتزقة روس الذين اشتراهم داعموه الآخرون في محاولة لإنقاذ العملية. ثم تدخلت دول لتقديم دعم دبلوماسي لحفتر في شرق ليبيا عن طريق مبادرات.
نجا حفتر، ولكن بشق الأنفس، وهو الآن يعتمد بشكل كلي على مجموعة من المرتزقة الروس. ورغم رتبته المثيرة، كان صدام بعيدا عن ساحات القتال في طرابلس في الغالب. حيث كان يستخدم مواهبه في مكان آخر، ويحافظ على الإمداد النقدي اللازم لتمويل حرب والده.
وكما حدث في صراعات جيش حفتر السابقة، كان هذا الجيش يفتقر إلى الانضباط، حيث كان يعطى الأولوية للتدمير والتفوق على خصومه في إطلاق النار.
واستنادا إلى محلل عسكري روسي ميداني، فقد أظهر مقاتلو القوات المسلحة العربية الليبية عدم احترافهم من خلال إطلاقهم “العشوائي” للنيران. إن إبقاء القوات المسلحة العربية الليبية مسرفة في استخدامها المفرط للذخيرة، أبقى صدام مشغولا.
ومنذ بداية الصراع، كان هناك شحن جوي يومي للذخيرة من الخارج للواء 106، ولواء طارق بن زياد فقط (التي تحتاج أسلحتهما المتقدمة إلى ذخيرة أميركية محددة). وإلى جانب هذا، كانت طائرتا شحن من طراز “إليوشن” تصلان كل يوم على الطريق القديم، محملتين بما يصل إلى 500 طن من الذخيرة الروسية لكل طائرة.
ومن حين لآخر، كانت طائرة “هيركوليس -C-130″ تابعة للقوات الجوية الفرنسية تهبط في بنغازي أيضا، من المحتمل أنها محملة بالمزيد من الذخائر للقوات التي تحاصر طرابلس.
وللحفاظ على هذه الآلة الحربية متعددة الجنسيات منسابة، ومع صعوبة الحصول على ديون إضافية بسبب الديون المتراكمة على بنوك شرق ليبيا (التي كادت تؤدي في أحد الأيام إلى انهيار النظام المصرفي الليبي بالكامل)، حاول صدام تكثيف أنشطة هيئة الاستثمار العسكري التابعة للقوات المسلحة العربية الليبية.
وشمل نشاطها كل شيء بدءا من ركام البنى التحتية في بنغازي وتجميع أنقاض حروب والده السابقة من أجل بيعها إلى تركيا، مرورا بالبيع غير المشروع للنفط الخام والوقود وصولا إلى الاستيلاء على مشاريع زراعية في جنوب ليبيا.
وبحلول عام 2020، قيل إن صدام كان ينظم رحلات جوية لطائرة حفتر الخاصة إلى فنزويلا، ويستبدل حقائب السفر المليئة بالدولار الأميركي بالذهب للدفع لدائنيه.
…
يتبع
***
مناف سعد ـ صحافي مقيم في الشرق الأوسط، يحجب اسمه الحقيقي لأسباب أمنية
________________