بقلم محمد الشرقاوي

 تحوّلان استراتيجيان حدثا في ليبيا في عزّ المخاوف الصحية العالمية لجائحة كورونا، وفي الأسبوع الأول من رمضان المبارك.

.

الجزء الأول

ثمّة أكثر من سؤال مثير في ثنايا الجغرافيا السياسية العربية المتقلّبة، عندما يتزامن حدثان بارزان في أقلّ من ثمان وأربعين ساعة في نهاية أبريل/ نيسان:

أوّلهما، إعلان المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن ممارسة حكم ذاتيفي عدن، وقلب الطاولة على الحكومة الشرعية بإلغاء اتفاق الرياض الموقّع في نوفمبر/ تشرين الثاني، والذي يدعو إلى توحيد قوات المجلس مع قوات حكومة عبد ربّه منصور هادي التي ترعاها السعودية.

وهو ما يمثّل تهديدا إضافيا لوساطة الأمم المتحدة وتقويضا ضمنيا لاتفاق استوكهولم المبرم بين حكومة الشرعية وجماعة أنصار الله (الحوثيين) قبل 29 شهرا.

وثاني الحدثين، دعوة الجنرال المتقاعد خليفة حفتر للحصول على تفويضمن الشعب الليبي لإدارة البلاد، وإعلانه إلغاء اتفاق الصخيرات الذي توسّطت فيه الأمم المتحدة عام 2015، الأمر الذي اعتبرته حكومة الوفاق الوطني في طرابلس مسرحية هزلية، وأن المتمرّد يعلن عن انقلاب جديد يضاف إلى سلسلة انقلاباته التي بدأت منذ سنوات“.

هما تحوّلان استراتيجيان في عزّ المخاوف الصحية العالمية لجائحة كورونا، وفي الأسبوع الأول من رمضان المبارك.

وينطوي كلّ منهما على بعد افتعالي خارجي أكثر من حدّة الخلافات الداخلية بين الأطراف اليمنية والليبية، وكيف تتحرّك موازين القوة وفقا لخطط بعض القوى الإقليمية، وفي مقدّمتها الإمارات التي تكرّس ضربا انتهازيا من الواقعية السياسية، ينمّ عن منطق القوة العسكرية وتجاهل الاتفاقات الدولية ومساعي الأمم المتحدة لإيجاد حلول تقبلها كل الأطراف في الأزمتين، اليمنية والليبية.

ويبدو أنّ الإمارات تسارع الزمن من أجل بسط نفوذها في جنوب اليمن وموانئها، خصوصا عدن وسقطرى، من أجل إنشاء تعزيز تجارتها البحرية وتوسيع نطاق تأثيرها في منطقة البحر الأحمر.

وتأمل، في الوقت نفسه، في الاستثمار السياسي والمالي في ليبيا الغنية بثروتها النفطية وموقعها الاستراتيجي على البحر المتوسط، من خلال دعم الجنرال حفتر بموازاة التنافس مع تركيا التي تدعم حكومة الوفاق في طرابلس بقيادة فايز السّراج.

عند المقارنة من حيث السّياق والديناميات والمآل بين تحوّلات اليمن وليبيا، يبدو أنّ الإعلان الأحادي للجنرال حفتر بشأن عزمه فرض سلطته بالأمر الواقع تحت شعار التفويض الشعبيعلى طريقة عبد الفتاح السيسي في مصر 2013، ينطوي على مضاعفاتٍ أكثر حدّة.

ذلك ما يجسد ثالث أزمة شرعية في ليبيا خلال ستّ سنوات، وهي أزمةٌ مفتوحة، يعتبر الأمين العام للأمم المتحدة القتال فيها حربا بالوكالة“.

ويمكن تفكيك هذ الأزمة الثالثة بعد تأمل التعقيدات والتداخلات بين تزايد التنافس الداخلي بين معسكري طبرق وطرابلس، وتأثير الأدوار الخارجية التي نصّبت نفسها وصيّة على أحد المعسكرين المتناحرين.

ويزداد سؤال المرحلة إلحاحا: من سيحمي اتفاق الصخيرات مستقبلا، وسط خلاف الدول العظمى في مجلس الأمن على تعيين رمضان لعمامرة، خلفا لغسان سلامة، بعد أن اقترح عليه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس شخصيا يوم السابع من مارس/ آذار الماضي تقلد منصب الممثل الخاص ورئيس بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا؟

ذاتية الجنرال قبل إرادة البرلمان

تكشف المفارقة الأولى في دعوة حفتر إلى الحصول على تفويض شعبي، وتلويحه بأنّ جيشهالليبي فخور بأن يُفوّض بهذه المهمة التاريخيةلقيادة ليبيا، عن مزايدةٍ عبثيةٍ، تحاول أن تستبدل صناديق الاقتراع بصناديق الذخيرة وسط استمرار مسلسل التناحر المسلح، واعتداده بقوة الجيش الليبي الذي سعى، منذ بدء عملية الكرامة، إلى دحر الجماعات المتشددة، وبسط السيطرة على العاصمة طرابلس، وانتزاعها من الحكومة التي يعترف بها المجتمع الدولي.

وتتعارض خطوة حفتر أيضا مع فحوى أحدث قرار تمّ التصويت عليه في مجلس الأمن قبل شهرين ونصف الشهر، ويدعو إلى التزام جميع الأطراف بوقف دائم لإطلاق النار في ليبيا، واستمرار حظر استيراد الأسلحة إليها من الخارج، وبتأييد أربعة أصوات وامتناع روسيا عن التصويت.

تكمن المفارقة الثانية في تنامي اعتداد حفتر بذاته وقوة رجاله المسلّحين أكثر من الولاء أو المسؤولية أمام أعضاء مجلس النواب في طبرق، حيث عيّنه رئيس المجلس، عقيلة صالح، قائدًا للقوات المسلحة الليبية في الثاني من مارس/ آذار 2015.

ويبدو أن حفتر يضع في حسابه أهمية الدعم الخارجي الذي يتلقاه من الإمارات والسعودية ومصر وفرنسا أكثر من الاكتراث بإرادة مجلس تشريعي في الشرق، تم تأسيسه عقب انتخابات يونيو/ حزيران عام 2014 التي لم تتجاوز نسبة الإقبال فيها 18%، فتعمّد الجنرال حفتر في أثناء إلقاء الخطاب أمام الكاميرا الظهور ببذلة عسكرية بيضاء، ويتعهد بأن قواته ستعمل على تهيئة الظروف الضرورية لبناء مؤسسات دولة مدنية دائمة“.

ولكنّه لم يوضح ما إذا كان أعضاء مجلس النواب في طبرق يزكّون هذه الخطوة، خصوصا إذا أُخذ بالاعتبار أن رئيس المجلس عقيلة صالح دعا، قبل أسبوع من خطاب حفتر، إلى تشكيل مجلس رئاسي بالتوافق أو التصويت بين ممثلي أقاليم ليبيا وبإشراف الأمم المتحدة ضمة خطة جديدة أسماها خريطة الطريق، من أجل إنهاء الأزمة وإيجاد سبيل للتقارب بين جيش حفتر وحكومة الوفاق بقيادة فايز السراج.

ودعا صالح أيضا إلى تشكيل لجنة يتم تشكيلها من الخبراء والمثقفين لصياغة دستور ليبي جديد، يتم بعده تنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية. هنا لبّ المفارقة الثالثة عند تأمل الفرق الشاسع بين منطق صنع السلام بإرادة وطنية، كما يأمل رئيس البرلمان عقيلة صالح، ومنطق فرض الأمر الواقع الذي ينحو إليه الجنرال حفتر. وعلى هديه، يضعف الأمل في تلويح حفتر بالانتقال حقيقة إلى بناء مؤسسات دولة مدنية دائمة“.

في المقابل، ترفض حكومة الوفاق وبقية الهيئات السياسية في طرابلس إعلان حفتر إسقاط اتفاق الصخيرات، وتعتبر أمرا كهذا عبثابمصير البلاد، وأنّ حفتر انقلب حتى على الأجسام السياسية الموازية التي تدعمه، والتي في يوم ما عينته، وبذلك لم يعد في مقدور أحد أو أي دولة التبجّح بشرعيته بأي حجة كانت، في إشارة إلى البرلمان المنتخب في طبرق، والذي دعت أعضاءه إلى الالتحاق بزملائهم في طرابلس، لنبدأ الحوار الشامل ويستمر المسار الديمقراطي وصولا إلى حلّ دائم عبر صناديق الاقتراع“.

غير أنّ رئيس المجلس الأعلى للدولة في ليبيا، خالد المشري، قال إن حكومة الوفاق نظمت صفوفها أكثر بعد توقيع الاتفاقية العسكرية مع تركيا منذ شهور، وأنّ قواتها أصبحت لديها القدرة على الهجوم وليس الدفاع فقط، قائلا لا نخشى أي مرتزقة يحضرهم حفتر، وسنعيدهم إلى بلدانهم في توابيت“.

وسط هذه المواقف والتحرّكات الميدانية، أصبحت السجالات السياسية وعدم مراعاة الهدنة الإنسانية تتحرّك على أرضية هشة، بعد تشديد حكومة الوفاق على ضرورة استتباب هدنة حقيقية، والحاجة لوجود ضمانات دوليةلتفعيل عمل لجنة 5 + 5″ (خمسة أعضاء من قوات حفتر ومثلهم من قوات حكومة الوفاق) التي انبثقت من اجتماع برلين في فبراير/ شباط الماضي، على أمل التوصل لوقف دائم لإطلاق النار بين معسكري الشرق والغرب في ليبيا.

ولكن الخلافات القائمة بينهم حالت دون استمرار جلسات اللجنة التي علّقت أعمالها عقب جولتين من المحادثات، وتجدّد القتال في ترهونة على بعد ستين كيلومترا إلى الجنوب الشرقي من العاصمة طرابلس، حيث تحاصر قوات الوفاق مسلحي حفتر في الأيام الثلاثة الأولى من مايو/ أيار الحالي.

***

محمد الشرقاوي ـ باحث مغربي، أستاذ تسوية النزاعات الدولية.

__________

مواد ذات علاقة