Ghassan Salame (C), special representative to the Secretary General of the United Nations for Libya, gives a press conference in the Tunisian capital Tunis on October 1, 2017, accompanied by Abdessalam Nasiya (L), chairman of the Libyan parliamentary dialogue committee, and Musa Faraj (R), chairman of the government dialogue committee. Tunisia offered to act as a mediator between rival Libyan factions. Libya, which plunged into chaos after the ouster and killing of dictator Moamer Kadhafi in 2011, has two rival governments and parliaments, as well as several militia groups battling to control its oil wealth. / AFP PHOTO / FETHI BELAID (Photo credit should read FETHI BELAID/AFP/Getty Images)

بقلم المهدي ثابت

يتقلّب المشهد الليبي بفعل المتدخليين الاقليميين والدوليين وتتعثر مسارت الحلّ والمصالحة، لتجد حكومة  الوفاق الوطني، بقيادة  فايز السراج، نفسها مرة أخرى امام تعقيدات داخلية وخارجية غير قادرة على فرض سَمت الدولة، وهو ما وقف عليه، ايضا،  مبعوث الامم المتحدة غسّان سلامة.

الجزء الأول

في جو صارت فيه الدولة في حالة ترهّل وأصبحت عاجزة تماما عن فرض سيطرتها على كامل الترابي الليبي. لتندلع الفوضى في الجنوب مؤذنة بعقدة جديدة مضيفة ملحا الى جرح نزيف، وتترنح خارطة الطريق الجديدة للامم المتحدة في حلبة اختلط فيها المتصارعون، لتضيق ليبيا الشاسعة باطماع دولية واوضاع داخلية تتخذ مظهرا قبَليا تارة وسياسيا تارة اخرى ، ولكن يبقى الوضع حَرُونا لا يتزحزح عن التّنازع والتجاذب.

مقدمة

المعلوم أن ليبيا ثلاثة أقاليم تاريخية وهي طرابلس وبرقة وفزان. ورغم أن البلد موحد منذ أكثر من ستين سنة، إلا أن الحالة الليبية الحالية أحيت نعرات الإنقسام والإنتصار للإقليم تدفعها إلى ذلك حالة الضعف الشديد الذي تعرفه الدولة والحجم المتعاظم للتدخل الخارجي في المدة الأخيرة.

إنها ظاهرة مزعجة فعلا وخطيرة، ولكنها لا تمثل تهديدا حقيقيا لوحدة البلاد وكيانها باعتبار أن الأغلبية الكبرى من النخب الفاعلة سياسيا واقتصاديا هي مع الوحدة وضد كل مظاهر الانفصال.

حالة تعبر عن تفشي اليأس والخوف وعن  الترهل الذي عليه الدولة التي أصبحت عاجزة تماما عن فرض سيطرتها على كامل الترابي الليبي، وعن حالة التيه الذي عليه الطبقة السياسية بمختلف توجهاتها.

خطر ما يجري نتاج سبع سنين عجاف بعد ثورة ضحى فيها بآلاف الشهداء ولم يرد لها أن تنجح لأن التوجه المضاد للقوى المعادية للثورة اشتغل بحرفيّة كبيرة، مدعوما بقوى إقليمية بالأساس، وأخرى دولية تريد تشكيل المشهد في البلاد وفق مصالحها.  

لا تتمثل المخاطر فقط في تنامي نزعة الإنفصال التي هناك من يغذيها في الداخل والخارج بل أيضا في فشل اتفاق الصخيرات وترنح خارطة الطريق التي أريد لها أن تفرض كحل جبري لإنهاء الأزمة. أضف إلى ذلك الأجندات الأجنبية التي تشتغل بقوة في الجنوب وفي الغرب الليبي بعد فشل مشروع حفتر في الشرق.

فشل اتفاق الصخيرات

سنتان وربع بالتمام والكمال مرّتا على اتفاق الصخيرات الشهير. ولازال إلى يوم الناس هذا لم يتنزل على ارض الواقع، فقد بنيت آمال كبيرة عليه وانتصرت له قوى مهمة في ليبيا. بل اعتبر المعارضون له في البداية وخاصة من المحسوبين على خط الثورة قٌصر سياسيا وغير مدركين للتوازنات الدولية وأنهم يمارسون المراهقة السياسية المبنية على الخطاب الثوري الحالم.

ولكن وبعد مرور أكثر من سنتين على إمضائه، وأمام الفشل الذريع في تنزيله كحل للأزمة في البلاد، بدأت القوى المناصرة للاتفاق تراجع حساباتها وتتنصل من المساندة المطلقة وخاصة للحكومة التي تاهت في إدارة الأزمة.

لقد أدرك الجميع أن الإتفاق كان ملغما وإمكانية تنزيله أمر غير ممكن في ظل الواقع المتشعب. ولكن البديل الواقعي لا يمتلكه أي طرف في البلاد. وتتحمل البعثة الأممية للدعم التي كان يقودها الإسباني برنادينو ليونالمسؤولية الأولى في الفشل إذ كان له الدور الأكبر في صياغة الإتفاق وفي إقناع الأطراف الموقعة بقبوله سواء بالترغيب أو بالترهيب المبطن.

لقد تأكدت كل الأقاويل التي تتهم دولة الإمارات بالتدخل المباشر في عمل السيد ليون الذي كان يتقاضى منها راتبا شهريا. والموضوع الآن محل تحقيق داخل أروقة الأمم المتحدة. وإذا استثنينا حكومة الوفاق التي هي احد مخرجات الإتفاق، وهي عنوان الفشل بامتياز في إدارة الشأن العام والملفات الكبرى.

عديدة هي الأسباب التي حكمت على الإتفاق بالفشل:

منها رفض البرلمان المنعقد في طبرق لعديد المواد المضمنة وخاصة منها المادة الثامنة التي تقصي الجنرال حفتر من المشهد. إضافة إلى ارتباط هذا الجسم بطرف إقليمي مؤثر وفاعل في ليبيا. كما أن انقسام خط فبراير حول الإتفاق السياسي بين قابل ورافض ساهم بدوره في الفشل.

فخط فبراير القوي لا هو ساند السراج وحكومة الوفاق لتكون تحت توجهه، وبالتالي تفرض نفسها كسلطة قائمة. ولا هو رفض الاتفاق. وبالتالي لا يتم التوقيع عليه من اليوم الأول.

إن حكومة الوفاق تعيش وضعا هشا من خلال هشاشة الأجسام السياسية القائمة وأعني بهما البرلمان المنعقد في طبرق والمجلس الأعلى للدولة في طرابلس. هذه الهشاشة استغلتها دولة الإمارات بقوة لتؤثر على السرّاج ونجحت في ذلك من خلال جعل حكومة الوفاق تدور في فلك شخصيتين مدعومتين بقوة من هذه الدولة وهما محمود جبريل رئيس تحالف القوى الوطنية والسيد عارف النّايض السفير السابق في دولة الإمارات.

هذان الرجلان مدعومان بقوة ماليا وإعلاميا من دولة الامارات وهي تراهن عليهما في مستويين :

الأول في ضغطهما على السراج لتسمية الشخصيات القريبة منهما في المواقع الحساسة في الدولة.

والثاني في محاولة خلق البيئة العامة التي تمكنهما من الفوز بالإستحقاق الانتخابي القادم .

إن الإمارات تستغل حالة الفرقة والتيه الذي عليه خط فبراير لتمرر أجندتها عبر الموالين لها في ليبيا.

ترنّح خارطة الطريق

لقد استبشر كثير من المراقبين بتسمية غسان سلامة على رأس البعثة الأممية في ليبيا باعتبار تجربته الكبيرة في إدارة الأزمات وخاصة أيام الحرب الأهلية في لبنان. وبدأ  عمله معتمدا خارطة طريق تتضمن أربعة مراحل وتتوج في نهاية 2018 بانتخابات تشريعية ورئاسية تدخل معها البلاد مرحلة الاستقرار والبناء.

وقد حاول سلامة أن يشحن لهذه الخطة أكبر قدر من الدعم الداخلي والخارجي. ورغم البداية الجيدة للمرحلة الأولى من الخطة، إلا أن الأمور تعطلت بعد ذلك واصطدمت بعديد العقبات ولم يستطع سلامة التقدم بمشروعه.

بل أن التخبط بدأ يظهر في أدائه على غرار من سبقه من أسلافه على رأس البعثة.

إن عمله اليوم مركز على مسائل جانبية كالإتصال بالمكونات السياسية والعسكرية والأطراف الدولية التي لها علاقة بالملف الليبي، ويريد الوصول إلى الانتخابات دون المرور ببنود خارطة الطريق التي بقيت تراوح مكانها.

لقد ثبت لديه أن الأزمة تحكمها تشابكات معقدة وأن الفاعلين الدوليين غير معنيين بخارطة الطريق، وأن ما يسمعه من دعم دولي هو مجرد نفاق سياسي. وقد عبر عن امتعاضه الشديد من التدخل الدولي السافر في الشأن الليبي واعتبره المعوق الأساسي أمام الحل في ليبيا.

وهو يعول اليوم على القوى الداخلية الفاعلة في محاولة منه لإقناعها بضرورة الإنخراط في حل سياسي يحتكم في النهاية إلى صندوق الإقتراع ليختار الليبيون من يحكمهم وليبنوا مؤسساتهم السياسية الدائمة.

ولكن خطأه في تحركه هذا أنه يتصل بجهات ليبية هو يدرك قبل غيره أنها من أفشل كل مشاريع السلام السابقة في ليبيا بما في ذلك خارطة الطريق ويعتبرها جزءا من الحل في حين كان عليه أن يمارس عليها أقسى أشكال الضغط بما في ذلك العقوبات الدولية.

مثله مثل الطبيب الذي يشاهد الورم الذي لا علاج للجسم بدون استئصاله، ولكنه يتعامل معه برفق ولين وكأن الورم قابل لأن يتأقلم مع الجسم ليتحول إلى حالة طبيعية وهو أمر مستحيل الحدوث.

إن ما أقصده بالورم هنا هو تيار الكرامة الذي يحمل مشروعا عسكريا لا يؤمن بقيم الديمقراطية وبدولة القانون والمؤسسات. فهو مشروع خلق لإجهاض الثورة و امتداد ونموذج لنظام الحكم في مصر الذي قضى على حلم الثورة في قلب الأمة.

إن المقصود بالقول هنا ليس شن حرب إبادة ضد مشروع الكرامة وإنما أن يتم التعامل مع هذا التيار بالشروط الضرورية التي تجعله يرضخ في الأخير إلى الحل السلمي الذي يغلب مصلحة البلاد على كل الأجندات الوافدة من الخارج والتي تعبث بالداخل الليبي .

ولكن السيد غسان سلامة يدرك أنه غير قادر على ذلك لأن هذا التيار تقف خلفه قوى دولية لازالت إلى اليوم تحميه رغم الجرائم التي يرتكبها في حق البلاد وخاصة في الشرق.

التتمة في الجزء الثاني

***

المهدى ثابت ـ باحث سياسي في مركز الدراسات الاستراتيجية والديبلوماسيّة.

***

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية ـ مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس، ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

____________

مواد ذات علاقة