الإطار القانوني التعسفي

تواجه المنظمات المدنية في ليبيا مجموعة من القوانين التعسفية التي تصعب عملها. فالقانون رقم 19 لسنة 2001 بشأن إعادة تنظيم الجمعيات الأهلية الصادر في عهد القذافي يُقيّد عمل المجتمع المدني في ليبيا بأكملها.

يُسمح بتسجيل المنظمات العاملة في القضايا الاجتماعية، أو الثقافية، أو الرياضية، أو الخيرية، أو الإنسانية فقط، ويستثني القضايا الأخرى بما فيها الحقوقية. ولم توضح الحكومة كيف يمكن للمنظمات العاملة في قضايا أخرى العمل بشكل قانوني. كما ينص القانون 19 لسنة 2001 على متطلبات تسجيل مرهقة للغاية ويخول السلطات التدخل في قيادة الجمعيات وحل المنظمات دون أمر من المحكمة.

ويؤكد بعض الخبراء القانونيين الليبيين أن القانون 19 لسنة 2001 معلق فعليا لأن الإعلان الدستوري الليبي لسنة 2011 يضمن حريات تكوين الجمعيات، والتعبير، والتجمع. قال أحدهم لـ هيومن رايتس ووتش إنه على الرغم من أنه يجب اعتبار القانون ملغى، ما تزال المحاكم تستخدمه كما لو كان نافذا“.

قال رئيس جماعة حقوقية ذات فروع متعددة إن غياب الإطار القانوني يعرقل عمل المنظمات الأهلية، ما يجبرها على العمل في حالة من عدم اليقين، وأنه من المهم ضمان مشاركة المجتمع المدني في صياغة قانون جديد للجمعيات. “يخشى الناس من السفر لأنهم يخشون لقاء الأجانب. وتطالب الأجهزة الأمنية بإعطاء موافقة مسبقة على أي لقاء مع مجموعات أجنبية. وهو غير مناسب للعمل المدني“.

تجري حاليا مناقشات تشمل مجموعات مدنية ليبية حول اعتماد مشروع قانون جديد للجمعيات، بما فيها مع مسؤولين من مفوضية المجتمع المدني، وأعضاء مجلس النواب، والمقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحرية التجمع السلمي وتكوين الجمعيات. أكد نشطاء وأعضاء من المجتمع المدني ومسؤولون في الأمم المتحدة تداول مسودات متعددة لمشروع قانون جديد بشأن المجتمع المدني، ووجود مشاورات لتسريع العملية، إلا أن أعضاء السلطة التشريعية والهيئات السياسية المتنافسة وأعضاء المجتمع المدني لم يُجمعوا على مسودة موحدة.

بين 2019 و2022، نظم المجلس الرئاسيالسابق لحكومة الوفاق الوطني عمل المنظمات الأهلية بموجب المرسوم 286.

تضمن المرسوم شروطا مرهقة للتسجيل ولوائح صارمة بشأن التمويل، وفرض عملية شاقة لتقديم إشعار مسبق لحضور المؤتمرات والفعاليات الأخرى. بعدما استأنفت المنظمات الأهلية المرسوم، علّقت محكمة في بنغازي العمل به في 2022 لانتهاكه الإعلان الدستوري لسنة 2011.

في 8 مارس/آذار 2023، أصدرت إدارة القانونفي المجلس الأعلى للقضاء” رأيا قانونيا،بناء على طلب من مفوضية المجتمع المدني، أعلنت فيه أن جميع الجمعيات الأهلية ومنظمات المجتمع المدني التي لم تؤسس بموجب القانون رقم 19 لسنة 2001 بشأن المنظمات الأهلية غير قانونية.

وأكد مكتب رئيس الوزراء في طرابلس في 13 مارس/آذار على الرأي القانوني وألغى تراخيص المنظمات الأهلية التي تأسست في ليبيا منذ 2011. إلا أنه منح المنظمات الأهلية في 21 مارس/آذار 2023 وضعا قانونيا مؤقتا حتى تصحح أوضاعها القانونية، دون تقديم جدول زمني واضح.

ما زال يتعيّن على المشرّعين إلغاء أحكام قانون العقوبات من عهد القذافي التي تنص على عقوبات صارمة، منها عقوبة الإعدام، على إنشاء جمعيات غير قانونية“.

التسجيل والعوائق الإدارية

قال نشطاء في ليبيا إن عدم وجود إطار متماسك للتسجيل وعدد من العوائق البيروقراطية والإدارية جعل قيامهم بعملهم شبه مستحيل. قال ناشط مقيم في ليبيا إن منظمته سُجلت في 2012 لكنها قررت عدم التجديد كما هو مطلوب بعد عشر سنوات بسبب الدور التعسفي للحكومة في الرقابة.

وللتحايل على غياب الإطار القانوني وصعوبات النظام المصرفي الليبي، قال إن منظمته وغيرها من المنظمات تتلقى أموال المانحين في تونس. قال إن المنظمات التي تواصل العمل في ليبيا رغم العوائق والمخاطر الجسيمة في خط النار“.

قال ناشط من جنوب البلاد غادر ليبيا في 2017 وحصل على وضع اللجوء في أوروبا، إنه أصبح من المستحيل تجديد تسجيل منظمته المدنية في ليبيا بسبب القيود التي فرضتها السلطات بما فيها العقبات أمام فتح حسابات مصرفية.

قال: “حتى 2016، كانت الأمور على ما يرام، فقد امتثلنا لجميع التشريعات القائمة، وكنا مسجلين لدى المفوضية وكان بإمكاننا ممارسة أنشطتنا. لكننا رفضنا التسجيل مرة أخرى بسبب جميع القيود، وعلى أي حال، أصبح من المستحيل التسجيل مع تعليق العمل بالمرسوم 286″.

قال إنه منذ 2022، واجهت الجمعية عدة قيود على حسابهم المصرفي الذي جُمّد في ديسمبر/كانون الأول من ذلك العام بناء على تعليمات المصرف المركزيبعد انقضاء فترة تسجيلهم.

قالت ناشطة من طرابلس إن الإجراءات المالية، وخصوصا فتح الحسابات المصرفية وإدارتها، صعبة بالنسبة للمنظمات الأهلية. قالت: “من الصعب استخدام الحسابات المصرفيةرغم أن [محافظ البنك المركزي السابق] الصديق الكبير أصدر لوائح للمنظمات الأهلية بفتح حسابات مصرفية، لم يكن القيام بذلك ممكنا.

كما أن سحب الأموال من البنوك أمر شاق للغاية، حيث يجب أن تحصل على موافقة من البنك، والتي قد تستغرق من شهر ونصف إلى شهرين. كما تحتاج أيضا إلى وسيط بين البنك والبنك المركزي“.

قالت إن العملية بالنسبة للمنظمات غير الحكومية الأجنبية صعبة وإنها والموظفين الآخرين اضطروا إلى استخدام حساباتهم الشخصية في التحويلات المالية، حيث لم يكن من الممكن للمنظمة فتح حساب.

قالت: “ذات مرة اضطررنا للانتظار ثمانية أشهر للحصول على 2,500 دولار أمريكي. في بعض الحالات، لم يتقاض الأشخاص رواتبهم طوال سبعة أشهر“. وقالت إن الإجراءات المالية ومتطلبات إعداد التقارير تتجاوز ما يمكن توقعه بشكل معقول من جمعية أهلية صغيرة وأن بعض البنوك تطلب رشوة أحيانا“.

مفوضية المجتمع المدني

تتمتع مفوضية المجتمع المدني التي تأسست في 2018، والتي تعمل من خلال فروع لها في جميع أنحاء البلاد، بصلاحيات واسعة لفحص وطلب الوثائق، ومراقبة التمويل، وإلغاء التسجيل وتصاريح العمل للمنظمات الأجنبية. وفقا لرئيس فرع المفوضية في طرابلس، في أغسطس/آب 2023، تسلّم مجلس النواب رسميا السلطة على المفوضية من مجلس الوزراء، وبدأ عملية توحيد المفوضية ومنحها ميزانية ووضعا قانونيا.

اتخذت مختلف فروع المفوضية مقاربات مختلفة لحل المأزق المتعلق بتسجيل المنظمات وتجديدها. قال مدير فرع الزاوية إنه يقدم وثيقة سنوية مؤقتة لتجديد تسجيل المنظمات الأهلية القائمة، بينما تطبق فروع أخرى، مثل فرع طرابلس، المعايير التي وضعتها مفوضية بنغازي في الشرق لتسجيل المنظمات. قال رئيسا فرعين للمفوضية إن أجهزة المخابرات تطلب أحيانا معلومات عن بعض المنظمات المدنية، وإن المنظمات الأهلية تحتاج أحيانا إلى موافقة أجهزة الاستخبارات للتسجيل.

قال ناشط في طرابلس، تنشط مجموعته الحقوقية في مجال حرية الصحافة في شرق ليبيا، إن الأجهزة الأمنية في الشرق لا تكتفي بمضايقة النشطاء ومحاولة السيطرة على أنشطتهم فحسب، بل إن لها نفوذا لدى السلطات، بما فيها المفوضية. قال: “لا تحصل على إشهار إلا بموافقة الأجهزة“.

اتهم ناشط آخر يترأس منظمة لحرية الإعلام في طرابلس فروع المفوضية في شرق وغرب ليبيا بالتجاوزات: “تتعرض المنظمات المستقلة [الموجودة في ليبيا] لضغوطات كثيرة، حيث أن المنظمات التابعة للحكومة هي الوحيدة القادرة على العمل.

أما في الشرق، فهناك مضايقات من قبل الجماعات المسلحة وسيطرة على أنشطتنا“. وقال أيضا إن عملية التسجيل أصبحت أكثر تعقيدا: “حصلنا على أول إشهار بالموافقة في 2013، وكان علينا فقط تجديد التسجيل في 2021. لذا، في يناير/كانون الثاني [2021] تقدمنا أولا بطلب في طرابلس، لكن المفوضية رفضت منحنا التسجيل، لذا في مارس/آذار 2022، تقدمنا بطلب في بنغازي. استغرق الأمر من المفوضية هناك أكثر من عام للموافقة“.

يتبع

_____________

مواد ذات علاقة